ابن كثير

132

البداية والنهاية

الوليد ثقيل لما به . فطوى عمر ثلاثا في ليلة فأدركه حين قضى ، فرق عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جهز ، وبكته البواكي ، فقيل لعمر : ألا تسمع ألا تنهاهن ؟ فقال : وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان ؟ ما لم يكن نقع ولا لقلقة . فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه وتقول : أنت خير من ألف ألف من الناس * إذا ما كبت وجوه الرجال أشجاع فأنت أشجع من ليث * ضمر بن جهم أبي أشبال أجواد فأنت أجود من سيل * دياس يسيل بين الجبال فقال عمر : من هذه ؟ فقيل له : أمه . فقال : أمه والا له ثلاثا . وهل قامت النساء عن مثل خالد . قال : فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليلة وفي قدومه : تبكي ما وصلت به الندامى * ولا تبكي فوارس كالجبال أولئك إن بكيت أشد فقدا * من الا ذهاب والعكر الجلال ( 1 ) تمنى بعدهم قوم مداهم * فلم يدنوا لأسباب الكمال وفي رواية أن عمر قال لام خالد : أخالدا أو أجره ترزئين ؟ عزمت عليك أن لا تبيني حتى تسود يداك من الخضاب . وهذا كله منا يقتضي موته بالمدينة النبوية ، وإليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ولكن المشهور عن الجمهور وهم الواقدي ، وكاتبه محمد بن سعد ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وإبراهيم بن المنذر ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأبو عبد الله العصفري ، وموسى بن أيوب ، وأبو سليمان بن أبي محمد وغيرهم ، أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين . زاد الواقدي : وأوصى إلى عمر بن الخطاب . وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا : قدم خالد المدينة بعد ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام ، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى وعشرين . وروى الواقدي : أن عمر رأى حجاجا يصلون بمسجد قباء فقال : أين نزلتم بالشام ؟ قالوا : بحمص ، قال : فهل من معرفة خبر ؟ قالوا : نعم مات خالد بن الوليد . قال : فاسترجع عمر وقال : كان والله سدادا لنحور العدو ، ميمون النقيبة . فقال له علي : فلم عزلته ؟ قال : لبذله المال لذوي الشرف واللسان . وفي رواية أن عمر قال لعلي : ندمت على ما كان مني . وقال محمد بن سعد : أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي ، ثنا سفيان بن عيينة ، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، سمعت قيس بن أبي حازم يقول : لما مات خالد بن الوليد قال عمر : رحم الله أبا سليمان ، لقد كنا نظن به أمورا ما كانت . وقال جويرية عن نافع قال : لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه ، وقال القاضي المعافا ابن زكريا الحريري : ثنا أحمد بن العباس العسكري ، ثنا عبد الله بن أبي سعد ، حدثني عبد الرحمن

--> ( 1 ) العكر : من الإبل ما بين الخمسين إلى المائة .