ابن كثير

63

البداية والنهاية

فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي ( 1 ) أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن عبد الوهاب ، ثنا جعفر بن عون ، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرأون قراءة ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم : والطاحنات طحنا ، والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، واللاقمات لقما . قال : فأرسل إليهم عبد الله فأتى بهم وهم سبعون رجلا ورأسهم عبد الله بن النواحة ، قال : فأمر به عبد الله فقتل ، ثم قال : ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء ولكن نحوزهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم ( 2 ) . وقال الواقدي كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم الرحال بن عنفوة وطلق بن علي ، وعلي بن سنان ، ومسيلمة بن حبيب الكذاب ، فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت على الضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما ، ومرة خبزا ولبنا ، ومرة خبزا ، ومره خبزا وسمنا ، ومره تمرا ينزلهم . فلما قدموا المسجد أسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم ، لما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة ، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم ، لما ذكروا أنه في رحالهم فقال " أما أنه ليس بشركم مكانا " فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه فقال : إنما قال ذلك لأنه عرف الامر لي من بعده ، وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة . قال الواقدي : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معهم بأداوة فيها فضل طهوره ، وأمرهم أن يهدموا بيعتهم وينضحوا هذا الماء مكانه ويتخذوه مسجدا ففعلوا ( 3 ) . وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسي في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق ، وما كان من أمر بني حنيفة إن شاء الله تعالى . وفد أهل نجران ( 4 ) قال البخاري : حدثنا عباس بن الحسين ، ثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة . قال : جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه ، قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، قالا : إنا نعطيك ما سألتنا ، وأبعث معنا رجلا أمينا ، ولا تبعث معنا إلا رجلا أمينا ، فقال : " لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين " فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال قم يا أبا عبيدة الجراح ، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أمين هذه

--> ( 1 ) من البيهقي ، وفي الأصل المزني . ( 2 ) دلائل البيهقي ج 5 / 333 . ( 3 ) الخبر نقله ابن سعد عن الواقدي في الطبقات ج 1 / 316 - 317 . ( 4 ) نجران : بفتح النون وسكون الجيم : بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن يشتمل على ثلاث وسبعين قرية .