ابن كثير

41

البداية والنهاية

فقالوا : إنا لم نأتك يا بن الخطاب ، ثم قالوا : يا رسول الله تول أنت هدمها ، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا ، فقال " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها " فكاتبوه على ذلك واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم ، فلما جاؤوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن ، وأنهم إنما جاؤوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف بحكم ما يريد وقد دوخ العرب ، قد حرم الربا والزنا والخمر ، وأمر بهدم الربة ، فنفرت ثقيف وقالوا لا نطيع لهذا أبدا ، قال فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح ، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة - ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا وقالوا : ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه قالوا : فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم ، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه ، فافهموا القضية واقبلوا عافية الله ، قالوا : فلم كتمتمونا هذا أولا ؟ قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان ، فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم خالد بن الوليد ، وفيهم المغيرة بن شعبة ، فعمدوا إلى اللات ، وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة ، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعني المعول - وقال لأصحابه : والله لأضحكنكم من ثقيف ، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة ، وقالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب ، فقام المغيرة فقال : والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر ، فاقبلوا عافية الله واعبدوه ، ثم إنه ضرب الباب فكسره . ثم علا سورها وعلا الرجال معه ، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض ، وجعل سادنها يقول : ليغضبن الأساس فليخسفن بهم ، فلما سمع المغيرة قال لخالد : دعني أحفر أساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها ، وبهتت عند ذلك ثقيف ، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم أموالها من يومه وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله ( 1 ) . قال ابن إسحاق : وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين : إن عضاه وج ( 2 ) وصيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه ، وإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا وإن هذا أمر النبي محمد ، وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد ، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله . وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن الحارث - من أهل مكة مخزومي - حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه ، عن عروة بن الزبير قال : أقبلنا مع

--> ( 1 ) لفظ موسى بن عقبة وروى الخبر عروة بن الزبير بمعناه ، والرواية اختصرها ابن عبد البر في الدرر ( 247 ) ، ونقلها البيهقي في الدلائل ج 5 / 303 . ( 2 ) عضاه : واحدته عضة ، شجر له شوك ، ووج أرض الطائف . وتقدم قريبا نص الكتاب بتمامه ، فليراجع .