ابن كثير
40
البداية والنهاية
الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي ، عن عثمان بن عبد الله بن أوس ، عن جده أوس بن حذيفة قال : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف ، قال فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة ، وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام ، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ، ثم يقول " لا آسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة ، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا " فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت علينا الليلة ؟ فقال : " إنه طرئ علي جزئي من القرآن فكرهت أن أجئ حتى أتمه " قال أوس سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجزئون القرآن ؟ فقالوا ثلاث ، وخمس ، وسبع ، وتسع وإحدى عشر ، وثلاث عشرة . وحزب المفصل وحده لفظ أبو داود . قال ابن إسحاق : فلما فرغوا من أمرهم ، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية ، فخرجا مع القوم ، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال : ادخل أنت على قومك ، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم ( 1 ) ، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول ، وقام قومه بني معتب دونه ، خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود ، قال وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن : * لنبكين دفاع ، أسلمها الرضاع ، لم يحسنوا المصاع ( 2 ) * قال ابن إسحاق : ويقول أبو سفيان : والمغيرة يضربها بالفأس وآها لك آها لك ، فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان فقال : إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الأسود بن مسعود والد قارب بن الأسود دينهما من مال الطاغية يقضي ذلك عنهما . قلت : كان الأسود قد مات مشركا ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الأسود رضي الله عنه . وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا ، فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن ، فسألوه عن الربا والزنا والخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها ؟ قال " اهدموها " قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها ، فقال عمر بن الخطاب : ويحك يا بن عبد يا ليل ما أجهلك ، إنما الربة حجر
--> ( 1 ) الهدم ، وفي نسخ البداية المطبوعة الهرم تحريف ، والهدم : ماء وراء وادي القرى . ( مراصد الاطلاع 2 / 1454 ) . ( 2 ) في ابن هشام : لتبكين . ودفاع : سموها بذلك لأنها - بزعمهم - تدفع عنهم الضرر . الرضاع : اللئيم المصاع : المضاربة بالسيوف .