ابن كثير

362

البداية والنهاية

الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب ، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت ، وكتب له عثمان وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد . هكذا قال - يعني بالمدينة - وإلا فالسور المكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها ، وقد كتبها الصحابة بمكة رضي الله عنهم . وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا فقال موسى بن عقبة ومصعب بن الزبير والزبير بن بكار وأكثر أهل النسب قتل يوم أجنادين ، يعني في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة . وقال آخرون قتل يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة . وقال محمد بن إسحاق قتل هو وأخوه عمرو يوم اليرموك لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة . وقيل إنه تأخر إلى أيام عثمان وكان يملي ( 1 ) المصحف الامام على زيد بن ثابت ثم توفي سنة تسع وعشرين . فالله . أعلم . ومنهم أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري . أبو المنذر ، ويقال أبو الطفيل ، سيد القراء شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها . وكان ربعة نحيفا أبيض الرأس واللحية لا يغير شيبه . قال أنس : جمع القرآن أربعة - يعني من الأنصار - أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، ورجل من الأنصار يقال له أبو يزيد أخرجاه . وفي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي " إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن " قال وسماني لك يا رسول الله ؟ قال " نعم " قال فذرفت عيناه . ومعنى أن أقرأ عليك قراءة إبلاغ وإسماع لا قراءة تعلم منه ، هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم ، وإنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه . وقد ذكرنا في موضع آخر سبب القراءة عليه وأنه قرأ عليه سورة * ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ) * وذلك أن أبي بن كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبي ، فرفعه أبي إلى رسول الله فقال : " اقرأ يا أبي " فقرأ فقال : " هكذا أنزلت " ثم قال لذلك الرجل " اقرأ " فقرأ فقال " هكذا أنزلت " قال أبي : فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية ، قال فضرب رسول الله في صدري ففضضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا ، فبعد ذلك تلا عليه رسول الله هذه السورة كالتثبيت له والبيان له إن هذا القرآن حق وصدق . وإنه أنزل على أحرف كثيرة رحمة ولطفا بالعباد . وقال ابن أبي خيثمة : هو أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد اختلف في وفاته فقيل في سنة تسع عشرة ، وقيل سنة عشرين ، وقيل ثلاث وعشرين ، وقيل قبل ( 2 ) مقتل عثمان بجمعة . فالله أعلم .

--> ( 1 ) قال ابن حجر في الإصابة : تفرد بهذه الرواية نعيم بن حماد عن الدراوردي ، والمعروف أن المأمور بذلك سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص وهو ابن أخي أبان بن سعيد . ( 1 / 14 ) . ( 2 ) قال الواقدي : وأثبت الأقاويل عندنا أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين وذلك أن عثمان رضي الله عنه أمره أن يجمع القرآن في جملة اثني عشر رجلا - وهذا ما قال به في أسد الغابة وأبو نعيم واحتجا : أن زر بن حبيش لقيه في خلافة عثمان .