ابن كثير

20

البداية والنهاية

وعليهم الدار فقال : قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم ؟ وقد أرسل إلي يدعوني إلى ثلاث خصال ، يدعوني أن أتبعه على دينه ، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا ، أو نلقى إليه الحرب . والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن [ ما تحت قدمي ] ( 1 ) فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا ، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا : تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لاعرابي جاء من الحجاز . فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقأهم ( 2 ) ولم يكد وقال : إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال : ادع لي رجلا حافظا للحديث ، عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه ، فجاء بي فدفع إلي هرقل كتابا فقال : اذهب بكتابي إلى هذا الرجل ، فما سمعته من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال ، انظر هل يذكر صحيفته إلي التي كتب بشئ ، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ، وانظر في ظهره هل به شئ يريبك . قال فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء ، فقلت أين صاحبكم ؟ قيل ها هو ذا ، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه ، فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال " ممن أنت " فقلت أنا أخو تنوخ قال " هل لك إلى الاسلام الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم ؟ " قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم ، فضحك وقال " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ، يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ويخرق ملكه ، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير " قلت هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي ، فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا : معاوية فإذا في كتاب صاحبي تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار " قال : فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي ، فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال " إن لك حقا وإنك لرسول ، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها ، إنا سفر مرملون " قال : فناداه رجل من طائفة الناس قال أنا أجوزه ، ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري ، قلت من صاحب الجائزة ؟ قيل لي : عثمان ، ثم قال رسول الله " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " فقال فتى من الأنصار : أنا ، فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال " تعال يا أخا تنوخ " فأقبلت أهوي حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه ، فحل حبوته عن ظهره وقال " هاهنا امض لما أمرت

--> ( 1 ) من مسند أحمد . ( 2 ) رقأهم : سكنهم ، وفي المسند رفأهم : تقرب إليهم .