ابن كثير
134
البداية والنهاية
إنه عليه السلام لبد رأسه ليكون أحفظ لما فيه من الطيب وأصون له من استقرار التراب والغبار . قال مالك عن نافع عن ابن عمر . إن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك . قال : " إني لبدت رأسي ، وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر " . وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وله طرق كثيرة عن نافع . قال البيهقي : أنبأنا الحكام ، أنبأنا الأصم ، أنبأنا يحيى ، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا عبد الأعلى ثنا محمد بن إسحاق ، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالعسل . وهذا إسناد جيد ثم أنه عليه السلام أشعر ( 1 ) الهدي وقلده وكان معه بذي الحليفة . قال الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة . وسيأتي الحديث بتمامه وهو في الصحيحين والكلام عليه إن شاء الله . وقال مسلم : حدثنا محمد بن المثنى ، ثنا معاذ بن هشام ، هو الدستوائي ، حدثني أبي ، عن قتادة ، عن أبي حسان عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته . وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن قتادة . وهذا يدل على أنه عليه السلام تعاطى هذا الاشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غير ، فإنه قد كان هدي كثير أما مائة بدنة أو أقل منها بقليل ، وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة وأعطى عليا فذبح ما غبر ( 2 ) وفي حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنبي صلى الله عليه وسلم وفي سياق ابن إسحاق أنه عليه السلام أشرك عليا في بدنه والله أعلم . وذكر غيره أنه ذبح هو وعلي يوم النحر مائة بدنة فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحليفة وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم . باب بيان الموضع الذي أهل منه عليه السلام واختلاف الناقلين لذلك وترجيح الحق في ذلك تقدم الحديث الذي رواه البخاري من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : أتاني آت من ربي فقال : صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة . وقال البخاري ( 3 ) باب الاهلال عند مسجد ذي
--> ( 1 ) أشعر الهدي : الاشعار هو جرح الهدي في صفحة سنامها اليمنى بحربة أو سكين أو حديدة أو نحوها وأصل الاشعار والشعور الاعلام والعلامة ، وإشعار الهدي لكونه علامة له ، ليعلم أنه هدي . ( 2 ) ما غبر : ما بقي . ( 3 ) في كتاب الحج - 20 باب الحديث 1541 .