ابن كثير
358
البداية والنهاية
بعثه عليه السلام خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة من كنانة قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ، ومعه قبائل من العرب وسليم بن منصور ، ومدلج بن مرة فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة ، فلما رآه القوم أخذوا السلاح ، فقال خالد : ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا : قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة قال : لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم : ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد والله ما بعد وضع السلاح إلا الأسئار ، وما بعد الأسئار إلا ضرب الأعناق ، والله لا أضع سلاحي أبدا . قال : فأخذه رجال من قومه ، فقالوا : يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا ؟ إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب . وأمن الناس ، فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ، ووضع القوم سلاحهم لقول خالد . قال ابن إسحاق : فقال حكيم بن حكيم عن أبي جعفر قال : فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم ، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد قال ابن هشام : حدثني بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل أنكر عليه أحد ؟ " فقال : نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه ، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فاشتدت مراجعتهما ، فقال عمر بن الخطاب : أما الأول يا رسول الله فابني عبد الله ، وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة . قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم عن أبي جعفر قال : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال " يا علي ، أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك " فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء ، وما أصيب لهم من الأموال ، حتى أنه ليدي ميلغة الكلب ، حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال ، فقال لهم علي حين فرغ منهم : هل بقي لكم دم أو مال لم يود لكم ؟ قالوا : لا ، قال فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون . ففعل ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ، فقال " أصبت وأحسنت " ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ثلاث مرات . قال ابن إسحاق : وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه قال : ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الاسلام . قال ابن هشام : قال أبو عمرو المديني : لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا : صبأنا صبأنا ( 1 ) . وهذه مرسلات ومنقطعات . وقد قال الامام
--> ( 1 ) خبر إرسال خالد إلى جذيمة في سيرة ابن هشام 4 / 73 .