ابن كثير

353

البداية والنهاية

خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب : يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمنه يا رسول الله صلى الله عليك فقال " هو آمن " فقال يا رسول الله فاعطني آية يعرف بها أمانك ؟ فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة ، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر فقال : يا صفوان فداك أبي وأمي الله الله في نفسك أن تهلكها ، هذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئتك به ، قال : ويلك أعزب عني فلا تكلمني قال : أي صفوان ، فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس ، وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك ؟ قال : إني أخافه على نفسي ، قال : هو أحلم من ذلك وأكرم . فرجع معه ، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان : إن هذا يزعم أنك قد أمنتني ؟ قال " صدق " قال فاجعلني بالخيار فيه شهرين ؟ قال " أنت بالخيار أربعة أشهر " ثم حكى ابن إسحاق عن الزهري : أن فاختة بنت الوليد ، امرأة صفوان وأم حكيم بنت الحارث بن هشام ، امرأة عكرمة بن أبي جهل وقد ذهبت وراءه إلى اليمن فاسترجعته فأسلم ، فلما أسلما أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتهما بالنكاح الأول . قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال : رمى حسان بن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه : لا تعد من رجلا أحلك بغضه * نجران في عيش أحذ لئيم ( 1 ) فلما بلغ ذلك ابن الزبعري خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال حين أسلم : يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور إذ أباري الشيطان في سنن الغيي * ومن مال ميله مثبور ( 2 ) آمن اللحم والعظام لربي * ثم قلبي الشهيد أنت النذير إنني عنك زاجر ثم حيا * من لؤي وكلهم مغرور قال ابن إسحاق : وقال عبد الله بن الزبعري أيضا حين أسلم : منع الرقاد بلابل وهموم * والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني . أن احمد لامني * فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها * عيرانة سرح اليدين غشوم ( 3 ) إني لمعتذر إليك من الذي * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم

--> ( 1 ) أحذ : المنقطع القليل . وقد يكون معناه : عيش لئيم جدا ( شرح أبي ذر ) . ( 2 ) مغرور وتروى مثبور أي هالك . ( 3 ) عيرانة : الناقة الشديدة والنشيطة والتي تشبه العير في نشاطه .