ابن كثير
344
البداية والنهاية
طالب أنه قاتل رجلين قد أجرتهما ؟ فقال " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قالت ثم صلى ثماني ركعات وذلك ضحى فظن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى . وقال آخرون بل كانت هذه صلاة الفتح وجاء التصريح بأنه كان يسلم من كل ركعتين وهو يرد على السهيلي وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيا بتسليمة واحدة ، وقد صلى سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين ولله الحمد . قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن صفية بنت شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس ، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده ، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ، ففتحت له فدخلها ، فوجد فيها حمامة من عيدان ، فكسرها بيده ثم طرحها ، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف ( 1 ) له الناس في المسجد . وقال موسى بن عقبة ثم سجد سجدتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها ودعا بماء فشرب منها وتوضأ والناس يبتدرون وضوءه والمشركون يتعجبون من ذلك ، ويقولون ما رأينا ملكا قط ولا سمعنا به - يعني مثل هذا - وأخر المقام إلى مقامه اليوم وكان ملصقا بالبيت . قال محمد بن إسحاق : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ، ففيه الدية مغلظة ، مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها ، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) الآية كلها ثم قال " يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم ؟ " قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " ثم جلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المسجد ، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده ، فقال : يا رسول الله أجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين عثمان بن طلحة ؟ " فدعي له ، فقال " هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء " ( 2 ) وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن ابن جدعان ، عن القاسم بن ربيعة ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة : " الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل " وقال مرة أخرى " مغلظة
--> ( 1 ) استكف : في اللسان : استكفوه : صاروا حواليه . واستكف به الناس : إذا أحدقوه به وقال أبو ذر : استكف له الناس : استجمع ، قال ويجوز أن يكون المعنى : استدار . ( 2 ) سيرة ابن هشام : 4 / 54 ، 55 .