ابن كثير
320
البداية والنهاية
أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا ، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته ، فقال : يا بنية ، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني ؟ فقلت : هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراشه ، فقال : يا بنية والله لقد أصابك بعدي شر ، [ ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ، فلم يرد عليه شيئا ] ثم ذهب إلى أبي بكر ، فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما أنا بفاعل ، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال عمر : أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به ، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها حسن غلام يدب بين يديهما ، فقال : يا علي إنك أمس القوم بي رحما وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا ، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال : ويحك أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه ، فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ فقالت : والله ما بلغ ببني ذلك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني ؟ قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك ، فقال : أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال : لا والله ما أظن ولكن لا أجد لك غير ذلك . فقام أبو سفيان في المسجد . فقال : أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره فانطلق ، فلما أن قدم على قريش قالوا ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته ، فوالله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة فوالله ما وجدت فيه خيرا ، ثم جئت عمر فوجدته أعدى عدو ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بأمر صنعته ، فوالله ما أدري هل يغني عنا شيئا أم لا ؟ قالوا : بماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت ، قالوا هل أجاز ذلك محمد ؟ قالا : لا ، قالوا : ويحك ما زادك الرجل على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت ، فقال : لا والله ما وجدت غير ذلك ( 1 ) . ( فائدة ) ذكرها السهيلي . فتكلم على قول فاطمة في هذا الحديث ، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء في الحديث " ويجير على المسلمين أدناهم " قال : وجه الجمع بينهما بأن المراد بالحديث من يجير واحدا ونفرا يسيرا ، وقول فاطمة فمن يجير عددا من غزو الامام إياهم فليس له ذلك . قال كان سحنون وابن الماجشون يقولان : إن أمان المرأة موقوف على إجازة الامام لقوله لام هانئ " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قال ويروى هذا عن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد . وقال أبو حنيفة : لا يجوز أمان العبد وفي قوله عليه السلام " ويجير عليهم أدناهم " ما يقتضي دخول
--> ( 1 ) الخبر في سيرة ابن هشام 4 / 38 ، ونقله عنه البيهقي في الدلائل 5 / 11 - 12