ابن كثير
151
البداية والنهاية
فصل [ في ] وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها . وقيل بل هي توفيت قبله والمشهور الأول . وهذان المشفقان ، هذا في الظاهر وهذه في الباطن ، هذاك كافر وهذه مؤمنة صديقة رضي الله عنها وأرضاها . قال ابن إسحاق : ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة ، وكانت له وزير صدق على الابتلاء ( 1 ) يسكن إليها ، وبهلك عمه أبي طالب ، وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنعة وناصرا على قومه . وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين ، فلما هلك أبو طالب ، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابا . فحدثني هشام بن عروة عن أبيه . قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته تغسله وتبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك " ويقول بين ذلك : " ما نالت مني ( 2 ) قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب " . وذكر ابن إسحاق قبل ذلك : أن أحدهم ربما طرح الأذى في برمته إذا نصبت له . قال فكان إذا فعلوا ذلك كما حدثني عمر بن عبد الله عن عروة يخرج بذلك الشئ على العود فيقذفه على بابه ثم يقول : يا بني عبد مناف أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق . قال ابن إسحاق : ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض : إن حمزة وعمر قد أسلما ، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا ، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا ( 3 ) . قال ابن إسحاق : وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد [ بن عباس ] عن بعض أهله عن ابن عباس قال : لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه - وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب ، في رجال من أشرافهم . . فقالوا : يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت ، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه فخذ لنا منه ، وخذ له منا ليكف عنا ولنكف عنه ، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه .
--> ( 1 ) في ابن هشام : على الاسلام يشكو إليها . ( 2 ) من ابن هشام 2 / 58 : وفي الأصل : ما نالتني . ( 3 ) أي يغلبونا عليه ويسلبونا إياه .