ابن كثير
152
البداية والنهاية
فبعث إليه أبو طالب ، فجاءه فقال : يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك . قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم ( 1 ) كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم " . فقال أبو جهل : نعم وأبيك ، وعشر كلمات . قال : " تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه " . فصفقوا بأيديهم . ثم قالوا : يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! إن أمرك لعجب . قال : ثم قال بعضهم لبعض : إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون ، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم ، حتى يحكم الله بينكم وبينه ، ثم تفرقوا . قال فقال أبو طالب : والله يا ابن أخي ، ما رأيتك سألتهم شططا . قال : فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول له : " أي عم ، فأنت قلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة " فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا ابن أخي والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي ، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها ، لا أقولها إلا لأسرك بها . قال : فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه ، فأصغى إليه بإذنه ، قال فقال : يا بان أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها . قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم أسمع " قال وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط : ( ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) [ ص : 1 - 2 ] الآيات . وقد تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة ( 2 ) . وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أن أبا طالب مات مسلما يقول العباس هذا الحديث ، يا ابن أخي ، لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها - " يعني لا إله إلا الله - والجواب عن هذا من وجوه . أحدها : أن في السند مبهما لا يعرف حاله وهو قول عن بعض أهله وهذا إبهام في الاسم والحال ، ومثله يتوقف فيه لو انفرد . وقد روى الإمام أحمد والنسائي وابن جرير نحوا من هذا السياق من طريق أبي أسامة عن الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير فذكره ولم يذكر قول العباس . ورواه الثوري أيضا عن الأعمش ، عن يحيى بن عمارة الكوفي ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره بغير زيادة قول العباس . ورواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير أيضا ( 3 ) . ولفظ الحديث من سياق البيهقي فيما رواه من طريق الثوري ، عن الأعمش ، عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . قال : مرض أبو طالب فجاءت قريش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم عند رأس أبي طالب ، فجلس رجل ( 4 ) فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك . وشكوه إلى أبي طالب . فقال : يا ابن أخي ما تريد من قومك ؟ فقال : " يا عم إنما أريد
--> ( 1 ) في الأصل وبعض نسخ ابن هشام : يا عم . ( 2 ) الخبر في سيرة ابن هشام 2 / 59 ، والخبر نقله البيهقي عن ابن إسحاق في الدلائل ج 2 / 345 ، وانظر تفسير ابن كثير - تفسير سورة ص . ( 3 ) أخرجه الترمذي في 48 كتاب التفسير 39 باب ومن سورة ص ح 3232 . ( 4 ) في دلائل البيهقي 2 / 345 وردت العبارة : وعند رأس أبي طالب مجلس رجل .