ابن كثير

116

البداية والنهاية

جاء يرد علي جواري . قال : صدق ، قد وجدته وفيا كريم الجوار ، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره . ثم انصرف عثمان رضي الله عنه ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلس من قريش ينشدهم ، فجلس معهم عثمان ، فقال لبيد : ألا كل شئ ما خلا الله باطل فقال عثمان : صدقت . فقال لبيد : وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان : كذبت ، نعيم الجنة لا يزول . فقال لبيد : يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذي جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟ فقال رجل من القوم : إن هذا سفيه في سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله ، فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما ، فقام إليه ذلك الرجل ولطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ [ من ] عثمان . فقال : والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية ، ولقد كنت في ذمة منيعة . قال يقول عثمان : بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله ، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس . فقال له الوليد : هلم يا ابن أخي إلى جوارك فعد . قال : لا ! . قال ابن إسحاق : وأما أبو سلمة بن عبد الأسد ، فحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن سلمة بن عبد الله [ بن عمر ] أبي سلمة أنه حدثه : أن أبا سلمة لما استجار بأبي طالب ، مشى إليه رجال من بني مخزوم ، فقالوا له : يا أبا طالب لقد ( 1 ) منعت منا ابن أخيك محمدا ، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا ؟ قال إنه استجار بي ، وهو ابن أختي وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي . فقام أبو لهب . فقال : يا معشر قريش والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه ، والله لتنتهن أو لنقومن معه في كل ما قام فيه ، حتى يبلغ ما أراد . قالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة . وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبقوا على ذلك فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول ، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن امرءا أبو ( 2 ) عتيبة عمه * لفي روضة ما أن يسام المظالما أقول له ، وأين منه نصيحتي * أبا معتب ثبت سوادك قائما ( 3 )

--> ( 1 ) في الأصل ، وفي بعض نسخ ابن هشام : هذا منعت . ( 2 ) كذا في الأصل وابن هشام : أبا معتب ، وكنيته : أبو عتبة . والسواد : هنا : الشخص . ( 3 ) كذا بالأصل : " أبا معتب " .