ابن كثير
102
البداية والنهاية
روى ذلك : أن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول : كنت للاسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها ، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة ( 1 ) فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت لو أني جئت فلانا الخمار لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها ، فخرجت فجئته فلم أجده قال : فقلت لو أني جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين ، قال فجئت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي ، وكان إذا صلى استقبل الشام ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، وكان مصلاه بين الركنين الأسود واليماني ، قال فقلت حين رأيته والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول فقلت : لئن دنوت منه لاستمع منه لارو عنه . فجئت من قبل الحجر ، فدخلت تحت ثيابها ، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن ، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة . قال : فلما سمعت القرآن رق له قلبي ، وبكيت ودخلني الاسلام ، فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف ، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين - وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية - . قال عمر : فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته ، فلما سمع حسي عرفني فظن أني إنما اتبعته لأوذيه ، فنهمني ( 2 ) ثم قال ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة ؟ قال قلت جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله قال فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " قد هداك الله يا عمر " ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات ، ثم انصرفت ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته . قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان . قلت : وقد استقصيت كيفية إسلام عمر رضي الله عنه وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التي أفردتها على حدة ولله الحمد والمنة . قال ابن إسحاق وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر . قال : لما أسلم عمر قال : أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له : جميل بن معمر الجمحي فغدا عليه ، قال عبد الله [ بن عمر ] وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل - وأنا غلام أعقل كما رأيت - حتى جاءه فقال له : أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر ، واتبعته أنا حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلا صوته : يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن ابن الخطاب قد صبا . قال يقول عمر من خلفه كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم . قال وطلح ( 3 ) فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد
--> ( 1 ) الحزورة : بفتح الحاء وسكون الزاي وفتح الواو : سوق مكة وقد دخلت في المسجد لما زيد فيه . ( 2 ) نهمني ، من النهم : الزجر . ( 3 ) طلح : أعيا .