ابن كثير
103
البداية والنهاية
كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا . قال فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال ما شأنكم ؟ فقالوا صبأ عمر ، قال فمه ؟ رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا ؟ خلوا عن الرجل . قال فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه . قال فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة : يا أبة من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك ؟ قال : ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي ( 1 ) ، وهذا إسناد جيد قوي ، وهو يدل على تأخر إسلام عمر لان ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه ، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين ، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم ( 2 ) . وقال البيهقي : حدثنا الحاكم أخبرنا الأصم أخبرنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن إسحاق . قال ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة - أو قريب من ذلك - من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة فوجدوه في المجلس ، فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا ، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن ، فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال : خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل ، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ، ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قال - قالوا لهم : لا نجاهلكم سلام عليكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألون أنفسنا خيرا . فيقال إن النفر من نصارى نجران ، والله أعلم أي ذلك كان . ويقال والله أعلم أن فيهم نزلت هذه الآيات : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا
--> ( 1 ) الخبر في سيرة ابن هشام 1 / 373 - 374 . ( 2 ) في اسلام عمر تعددت الروايات والأحاديث فعن أسلم قال : أسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوة وعن ابن المسيب قال : أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة وقال البيهقي عن ابن إسحاق : قال أسلم والمسلمون يومئذ بضع وأربعون رجلا وإحدى عشرة امرأة . وقال ابن الأثير في الكامل : أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة ، وكان اسلامه بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة . وقيل في إسلامه غير هذا . قال بروكلمان : وكان من آثار ذلك أن قرر المكيون التعويض عن هذه الخسارة - إسلام عمر - اللجوء إلى تدابير جديدة أقسى ، فقاطعوا محمدا وجميع أتباعه وحاصروهم في الحي الذي يسكنونه في شعب أبي طالب . ( أنظر ابن الأثير الكامل - بروكلمان تاريخ الشعوب الاسلامية ) .