ابن كثير
214
البداية والنهاية
ذلك . وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له : سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم ، ثم قل له : إن الملك يقول إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم ، فإن هو لم يرد حربي فائتني به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبد المطلب بن هاشم [ بن عبد مناف بن قصي ] . فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة . فقال له عبد المطلب والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه . فقال له حناطة فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك . فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا - حتى دخل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ؟ ما عندي غناء في شئ مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي . فسأرسل إليه وأوصيه بك وأعظم عليه حقك واسأله أن يستأذن لك على الملك فنكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك . فقال حسبي . فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له : إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين ( 1 ) مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت . قال : أفعل . فكلم أنيس أبرهة فقال له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين ( 1 ) مكة وهو الذي يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في حاجته [ وأحسن إليه ] ( 2 ) فأذن له أبرهة قال وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه . فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه قل له حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان فقال : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي . فلما قال له ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني . أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه ؟ فقال له عبد المطلب إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه . فقال ما كان ليمتنع مني . قال أنت وذاك . فرد على عبد المطلب إبله . قال ابن إسحاق ويقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر ( 3 ) بن نفاثة بن
--> ( 1 ) في الطبري وابن هشام والأزرقي : صاحب عير مكة . ( 2 ) ما بين معكوفين زيادة من الطبري . ( 3 ) كذا في الأصل وابن هشام والأزرقي ; وفي الطبري : يعمرو بن نفاثة بن عدي بن الدئل . واختلف في الدئل بهمز أو الديل . والمعروف أن الدئل هم الذين من بني كنانة وهم الهون أيضا وأما الديل فهم من الأزد ; وفي اياد وفي عبد القيس . راجع نهاية الإرب للقلقشندي - جمهرة انساب العرب لابن حزم - الأنساب للسمعاني . لسان العرب مادة دأل .