ابن كثير

142

البداية والنهاية

بقوله : ( هنالك الولاية لله الحق ) وهو حسن أيضا لقوله : ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) [ الفرقان : 26 ] فالحكم الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب في تلك الحال ، وفي كل حال لله الحق . ومنهم من رفع الحق جعله صفة للولاية وهما متلازمتان وقوله : ( هو خير ثوابا وخير عقبا ) [ الكهف : 44 ] أي معاملته خير لصاحبها ثوابا وهو الجزاء وخير عقبا وهو العاقبة في الدنيا والآخرة . وهذه القصة تضمنت أنه لا ينبغي لاحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ولا يغتر بها ولا يثق بها بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه . وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه . وفيها أن من قدم شيئا على طاعة الله والانفاق في سبيله عذاب به ، وربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده . وفيها أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق وأن مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة . وفيها أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر ونفذ الامر الحتم بالله المستعان وعليه التكلان . قصة أصحاب الجنة قال الله تعالى : ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين . ولا يستثنون . فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . فأصبحت كالصريم . فتنادوا مصبحين . أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين . فانطلقوا وهم يتخافتون . أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين . وغدوا على حرد قادرين . فلما رأوها قالوا إنا لضالون . بل نحن محرومون . قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون . قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين . فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون . قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين . عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون . كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) [ القلم : 17 - 33 ] . وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم إليهم فقابلوه بالتكذيب والمخالفة كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار . جهنم يصلونها وبئس القرار ) [ إبراهيم 28 - 29 ] . قال ابن عباس هم كفار قريش فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تجد وهو الصرام ( 1 ) ولهذا قال : ( إذ أقسموا ) فيما بينهم ( ليصرمنها ) أي ليجدنها وهو الاستغلال ( مصبحين ) أي وقت الصبح حيث لا يراهم فقير ولا محتاج فيعطوه شيئا فخلفوا على ذلك ، ولم يستثنوا في يمينهم ، فعجزهم الله وسلط عليها الآفة التي أحرقتها وهي السفعة ( 2 ) التي اجتاحتها ولم تبق بها شيئا ينتفع به ولهذا قال : ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . فأصبحت

--> ( 1 ) الصرام : يقال قد صرم العذق عن النخلة ، وأصرم النخل إذا حان وقت صرامه ، أي قطعه وقطاف ثمره . ( 2 ) السفعة : العين ; المراد بها هنا عذاب ، وقيل إن الطائف هو جبريل فاقتلعها فأصبحت الجنة كالصريم ; وقال الكلبي : إن الله ارسل عليها نارا من السماء فاحترقت وهم نائمون .