ابن كثير
143
البداية والنهاية
كالصريم ) أي كالليل الأسود المنصرم من الضياء وهذه معاملة بنقيض المقصود ( فتنادوا مصبحين ) أي فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين : ( أغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) أي باكروا إلى بستانكم فأصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السؤال ( فانطلقوا وهم يتخافتون ) أي يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين : ( لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ) أي اتفقوا على هذا واشتوروا عليه ( وغدوا على حرد قادرين ) اي انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه ، مضمرين على هذه النية الفاسدة . وقال عكرمة والشعبي : ( وغدوا على حرد ) أي غضب على المساكين ، وأبعد السدي في قوله أن اسم حرثهم حرد ( فلما رأوها ) أي وصلوا إليها ، ونظروا ما حل بها ، وما قد صارت إليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة ، والحسن والبهجة فانقلبت بسبب النية الفاسدة فعند ذلك ( قالوا إنا لضالون ) أي قد نهينا عنها ، وسلكنا غير طريقها ثم قالوا : ( بل نحن محرومون ) أي بل عوقبنا بسب سوء قصدنا وحرمنا بركة ( 1 ) حرثنا ( قال أوسطهم ) . قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد هو أعدلهم وخيرهم ( ألم أقل لكم لولا تسبحون ) قيل يستثنون ، قاله مجاهد والسدي وابن جرير وقيل تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر ( قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين . فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون . قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ) . فندموا حيث لا ينفع الندم ، واعترفوا بالذنب بعد العقوبة ، وذلك حيث لا ينجع وقد قيل : إن هؤلاء كانوا أخوة وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم ، وكان يتصدق منها كثيرا ، فلما صار أمرها إليهم استهجنوا أمر أبيهم ، وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا ، فعاقبهم الله أشد العقوبة ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار ، وحث على ذلك يوم الجداد كما قال تعالى : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) [ الانعام : 141 ] ثم قيل كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان ( 2 ) . وقيل من أهل الحبشة والله أعلم قال الله تعالى : ( كذلك العذاب ) أي هكذا نعذب من خالف أمرنا ولم يعطف على المحاويج من خلقنا ( ولعذاب الآخرة أكبر ) أي أعظم وأحكم من عذاب الدنيا ( لو كانوا يعلمون ) [ القلم : 33 ] . وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى : ( ضرب ( 3 ) الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان
--> ( 1 ) روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا كان هيئ له - ثم تلا - ( فطاف عليها طائف من ربك ) الآيتين . ( 2 ) ضروان من أرض اليمن على فرسخ من صنعاء . ( 3 ) سورة النحل الآية 112 ونصها : ( وضرب الله . . ) قالوا فيها : ضرب الله مثلا لأهل مكة لما خرجوا إلى بدر حلفوا على أن يقتلوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وإذا رجعوا إلى مكة طافوا بالكعبة وشربوا الخمور ، فأخلف الله ظنهم فقتلوا وأسروا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرام فخابوا . وقيل هو وعظ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ; ( انظر تفسير القرطبي - تفسير الرازي ) .