ابن كثير
61
البداية والنهاية
الشيخ في الكلام ، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله ، ولا بقريب منه ، وبالغ في التشنيع على من يوافق في ذلك . وقال للسلطان : حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية ، فاذكر نعمة الله عليك إذ رد ملكك إليك ، وكبت عدوك ونصرك على أعدائك فذكر أن الجاشنكير هو الذي جدد عليهم ذلك ، فقال : والذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبا لك ، فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على ذلك ، وجرت فصول يطول ذكرها . وقد كان السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين ، ودينه وزينته وقيامه بالحق وشجاعته ، وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جالسا فيه ، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه ، وأخرج له فتاوى بعضهم عزله من الملك ومبايعة الجاشنكير ، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضا ، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم ، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير ، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء ، وينكر أن ينال أحدا منهم بسوء ، وقال له : إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم ، فقال له إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارا ، فقال الشيخ من آذاني فهو في حل ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه ، وأنا لا أنتصر لنفسي ، وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح . قال وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول : ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا ، ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث العلم ونشره ، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة والقول ، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال : قد جعلت الكل في حل ، وبعث الشيخ كتابا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير ، ويطلب منهم جملة من كتب العلم التي له ويستعينوا على ذلك بجمال الدين المزي ، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها ، وقال في هذا الكتاب : والحق كل ماله في علو وازدياد وانتصار ، والباطل في انخفاض وسفول واضحلال ، وقد أذل الله رقاب الخصوم ، وطلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه ، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الاسلام والسنة ، وما فيه قمع الباطل والبدعة ، وقد دخلوا تحت ذلك كله وامتنعنا من قبول ذلك منهم ، حتى يظهر إلى الفعل ، فلم نثق لهم بقول ولا عهد ، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولا ، والمذكور مفعولا ، ويظهر من عز الاسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم ، وذكر كلاما طويلا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قمع اليهود والنصارى وذلهم ، وتركهم على ما هم عليه من الذلة والصغار والله سبحانه أعلم .