ابن كثير

319

البداية والنهاية

التربخاناة أحد أمراء الطبلخانات بمصر صبيحة يوم الأربعاء سادس عشر الشهر ، فضربت البشائر بالقلعة وطبلخانات الأمراء على أبوابهم ، وزين البلد بكماله ، وأخذت البيعة له صبيحة يومه بدار السعادة وخلع عن نائب السلطنة تشريف هائل ، وفرح أكثر الأمراء والجند والعامة ولله الامر ، وله الحكم . قال تعالى ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) الآية [ آل عمران : 26 ] . ووجد على حجر بالحميرية فقرئت للمأمون فإذا مكتوب : ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل النعيم من ملك * قد زال سلطانه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا * ليس بفان ولا بمشترك وروي عن سليمان بن عبد الملك بن مروان أنه خرج يوما لصلاة الجمعة ، وكان سوي الخلق حسنه ، وقد لبس حلة خضراء ، وهو شاب ممتلئ شبابا ، وينظر في أعطافه ولباسه ، فأعجبه ذلك من نفسه ، فلما بلغ إلى صرحة الدار تلقته جنية في صورة جارية من حظاياه فأنشدته : أنت نعم لو كنت تبقى * غير أن لا حياة للانسان ليس فيما علمت فيك عيب * يذكر غير أنك فان فصعد المنبر الذي في جامع دمشق وخطب الناس ، وكان جهوري الصوت يسمع أهل الجامع وهو قائم على المنبر ، فضعف صوته قليلا قليلا حتى لم يسمعه أهل المقصورة ، فلما فرغ من الصلاة حمل إلى منزله فاستحضر تلك الجارية التي تبدت تلك الجنية على صورتها ، وقال : كيف أنشدتيني تينك البيتين ؟ فقالت : ما أنشدتك شيئا . فقال : الله أكبر نعيت والله إلي نفسي . فأوصى أن يكون الخليفة من بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز رحمه الله . وقدم نائب طرابلس المعزول عليلا والأمير سيف الدين استدمر الذي كان نائب دمشق وكانا مقيمان بطرابلس جميعا ، في صبيحة يوم السبت السادس والعشرين منه ، فدخلا دار السعادة فلم يحتفل بهما نائب السلطنة . وتكامل في هذا الشهر تجديد الرواق غربي الناطفانيين إصلاحا بدر ابزيناته وتبييضا لجدرانه ومحراب فيه ، وجعل له شبابيك في الدرا بزينات ، ووقف فيه قراءة قرآن بعد المغرب ، وذكروا أن شخصا رأى مناما فقصه على نائب السلطنة فأمر بإصلاحه . وفيه نهض بناء المدرسة التي إلى جانب هذا المكان من الشباك ، وقد كان أسسها أولا علم الدين بن هلال ، فلما صودر أخذت منه وجعلت مضافة إلى السلطان ، فبنوا فوق الأساسات وجعلوا لها خمسة شبابيك من شرقها ، وبابا قبليا ، ومحرابا وبركة وعراقية ، وجعلوا حائطها بالحجارة البيض والسود ، وكملوا عاليها بالآجر ، وجاءت