ابن كثير
320
البداية والنهاية
في غاية الحسن ، وقد كان السلطان الناصر حسن قد رسم بأن تجعل مكتبا للأيتام فلم يتم أمرها حتى قتل كما ذكرنا . واشتهر في هذا الشهر أن بقرة كانت تجئ من ناحية باب الجابية تقصد جراء لكلبة قد ماتت أمهم ، وهي في ناحية كنيسة مريم في خرابة ، فتجئ إليهم فتنسطح على شقها فترضع أولئك الجراء منها ، تكرر هذا منها مرارا ، وأخبرني المحدث المفيد التقي نور الدين أحمد بن المقصوص بمشاهدته ذلك . وفي العشر الأوسط من جمادى الآخرة نادى مناد من جهة نائب السلطنة حرسه الله تعالى في البلد أن النساء يمشين في تستر ويلبسن أزرهن إلى أسفل من سائر ثيابهن ، ولا يظهرن زينة ولا يدا ، فامتثلن ذلك ولله الحمد والمنة . وقدم أمير العرب جبار بن مهنا في أبهة هائلة ، وتلقاه نائب السلطنة إلى أثناء الطريق ، وهو قاصد إلى الأبواب الشريفة . وفي أواخر رجب قدم الأمير سيف الدين تمر المهندار ( 1 ) من نيابة غزة حاجب الحجاب بدمشق ، وعلى مقدمة رأس الميمنة ، وأطلق نائب السلطنة مكوسات كثيرة ، مثل مكس الحداية والخزل المرددن الحلب والطبابي ، وأبطل ما كان يؤخذ من المحتسبين زيادة على نصف درهم ، وما يؤخذ من أجرة عدة الموتى كل ميت بثلاثة ونصف ، وجعل العدة التي في القيسارية للحاجة مسبلة لا تنحجر على أحد في تغسيل ميت ، وهذا حسن جدا ، وكذلك منع التحجر في بيع البلح المختص به ، وبيع مثل بقية الناس من غير طرحان فرخص على الناس في هذه السنة جدا ، حتى قيل إنه بيع القنطار بعشرة ، وما حولها . وفي شهر شعبان قدم الأمير جبار بن مهنا من الديار المصرية فنزل القصر الأبلق وتلقاه نائب السلطنة وأكرم كل منهما الآخر ، ثم ترحل بعد أيام قلائل ، وقدم الأمراء الذين كانوا بحبس الإسكندرية في صبيحة يوم الجمعة سابعه ، وفيهم الأمير شهاب الدين بن صبح وسيف الدين طيدمر الحاجب ، وطيبرف ومقدم ألف ، وعمر شاه ، وهذا ونائب السلطنة الأمير سيف الدين بيدمر أعزه الله يبطل المكوسات شيئا بعد شئ مما فيه مضرة بالمسلمين ، وبلغني عنه أن من عزمه أن يبطل جميع ذلك إن أمكنه الله من ذلك ، آمين انتهى . تنبيه على واقعة غريبة واتفان عجيب نائب السلطنة الأمير سيف الدين بيدمر فيما بلغنا في نفسه عتب على أتابك الديار المصرية
--> ( 1 ) المهندار : صاحب هذه الوظيفة يقوم بلقاء الرسل والعربان الواردين على السلطان وينزلهم دار الضيابة . وهو مركب من لفظين فارسيين : مهمن بفتح الميمين ومعناه الضيف والثاني : دار ومعناه ممسك ، والمعنى إجمالا : القائم على أمره ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص 334 ) .