ابن كثير
31
البداية والنهاية
وجل ، وجعلوا يجيئون بهم في الحبال فتضرب أعناقهم ، ثم اقتحم منهم جماعة الهزيمة فنجا منهم قليل ، ثم كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك ، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في الفرات بسبب الظلام ، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمة عظيمة شديدة ، ولله الحمد والمنة . ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان وبين يديه الخليفة ، وزينت البلد ، وفرح كل واحد من أهل الجمعة والسبت والأحد ، فنزل السلطان في القصر الأبلق والميدان ، ثم تحول إلى القلعة سوم الخميس وصلى بها الجمعة وخلع على نواب البلاد وأمرهم بالرجوع إلى بلادهم ، واستقرت الخواطر ، وذهب اليأس وطابت قلوب الناس ، وعزل السلطان ابن النحاس عن ولاية المدينة وجعل مكانه الأمير علاء الدين أيدغدي أمير علم ، وعزل صارم الدين إبراهيم والي الخاص عن ولاية البر وجعل مكانه الأمير حسام الدين لاجين الصغير ، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان وعيد بدمشق . وطلب الصوفية من نائب دمشق الأفرم أن يولي عليهم مشيخة الشيوخ للشيخ صفي الدين الهندي ، فأذن له في المباشرة يوم الجمعة سادس شوال عوضا عن ناصر الدين بن عبد السلام ، ودخل السلطان القاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوال ، وكان يوما مشهودا ، وزينت القاهرة . وفيها جاءت زلزلة عظيمة يوم الخميس بكرة الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة ، وكان جمهورها بالديار المصرية ، تلاطمت بسببها البحار فكسرت المراكب وتهدمت الدور ومات خلق كثير لا يعلمهم إلا الله ، وشققت الحيطان ولم ير مثلها في هذه الاعصار ، وكان منها بالشام طائفة لكن كان ذلك أخف من سائر البلاد غيرها . وفي ذي الحجة باشر الشيخ أبو الوليد بن الحاج الإشبيلي المالكي إمام محراب المالكية بجامع دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصنهاجي . وممن توفي فيها من الأعيان : ابن دقيق العيد ( 1 ) الشيخ الامام العالم العلامة الحافظ قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد القشيري المصري ، ولد يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بساحل مدينة ينبع من أرض الحجاز ، سمع الكثير ورحل في طلب الحديث وخرج وصنف فيه إسنادا ومتنا مصنفات عديدة ، فريدة مفيدة ، وانتهت إليه رياسة العلم في زمانه ، وفاق أقرانه ورحل إليه
--> ( 1 ) واسمه محمد بن الشيخ مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب بن مطيع القشيري الشافعي ( السلوك 1 / 948 تذكرة النبيه 1 / 254 الطالع السعيد ص 336 شذرات الذهب 6 / 5 الوافي 4 / 193 الدرر الكامنة 4 / 210 ) .