ابن كثير

299

البداية والنهاية

دخول نائب السلطنة منجك إلى دمشق كان ذلك في صبيحة يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من ناحية حلب ( 1 ) وبين يديه الأمراء على العادة ، وأوقدت الشموع وخرج الناس ومنهم من بات على الأسطحة وكان يوما هائلا . وفي أواخر شهر رجب برز نائب السلطنة إلى الربوة وأحضر القضاة وولاة الأمور ورسم بإحضار المفتيين - وكنت فيمن طلب يومئذ إلى الربوة فركبت إليها - وكان نائب السلطنة عزم يومئذ على تخريب المنازل المبنية بالربوة وغلق الحمام من أجل هذه فيما ذكر أنها بنيت ليقضي فيها ، وهذا الحمام أوساخه صائرة إلى النهر الذي يشرب منه الناس ، فاتفق الحال في آخر الامر على إبقاء المساكن ورد المرتفعات المسلطة على توره وناس ، ويترك ما هو مسلط على بردى ، فانكف الناس عن الذهاب إلى الربوة بالكلية ، ورسم يومئذ بتضييق أكمام النساء وأن تزال الأجراس والركب عن الحمير التي للمكارية . وفي أوائل شهر شعبان ركب نائب السلطنة يوم الجمعة بعد العصر ليقف على الحائط الرومي الذي بالرحبية ، فخاف أهل الأسواق وغلقوا دكاكينهم عن آخرهم ، واعتقدوا أن نائب السلطنة أمر بذلك ، فغضب من ذلك وتنصل منه ، ثم إنه أمر بهدم الحائط المذكور ، وأن ينقل إلى العمارة التي استجدها خارج باب النصر في دار الصناعة التي إلى جانب دار العدل ، أمر ببنائها خانا ونقلت تلك الأحجار إليها ، انتهى والله أعلم . عزل القضاة الثلاثة بدمشق ولما كان يوم الثلاثاء تاسع شعبان قدم من الديار المصرية بريدي ومعه تذكرة - ورقة - فيها السلام على القضاة المستجدين ، وأخبر بعزل القاضي الشافعي والحنفي والمالكي ، وأنه ولى قضاة الشافعية القاضي بهاء الدين أبو البقا السبكي ، وقضاء الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج الحنفي وذهب الناس إلى السلام عليهم والتهنئة لهم واحتفلوا بذلك ، وأخبروا أن القاضي المالكي سيقدم من الديار المصرية ، ولما كان يوم السبت السابع والعشرين من شعبان وصل البريد من الديار المصرية ومعه تقليدان وخلعتان للقاضي الشافعي والقاضي الحنفي ، فلبسا الخلعتين وجاءا من دار السعادة إلى الجامع الأموي ، وجلسا في محراب المقصورة ، وقرأ تقليد قاضي القضاة بهاء

--> ( 1 ) وكان أخلع على الأمير منجك اليوسفي وقرره على نيابة حلب عوضا عن الأمير طاز بدائع الزهور 1 / 564 ) .