ابن كثير
264
البداية والنهاية
وفي يوم الثلاثاء سابع شهر ذي القعدة توفي خطيب الجامع ، الخطيب تاج الدين عبد الرحيم ابن القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحيم القزويني ، بدار الخطابة ، مرض يومين وأصابه ما أصاب الناس من الطاعون ، وكذلك عامة أهل بيته من جواريه وأولاده ، وتبعه أخوه بعد يومين صدر الدين عبد الكريم ، وصلي على الخطيب تاج الدين بعد الظهر يومئذ عند باب الخطابة ودفن بتربتهم بالصوفية عند أبيه وأخويه بدر الدين محمد ، وجمال الدين عبد الله رحمهم الله . وفي يوم الخميس تاسعه اجتمع القضاة وكثير من الفقهاء المفتيين عند نائب السلطنة بسبب الخطابة ، فطلب إلى المجلس الشيخ جمال الدين بن محمود بن جملة فولاه إياها نائب السلطنة ، وانتزعت من يده وظائف كان يباشرها ، ففرقت على الناس ، فولى القاضي بهاء الدين أبو البقاء تدريس الظاهرية البرانية ، وتوزع الناس بقية جهاته ، ولم يبق بيده سوى الخطابة ، وصلى بالناس يومئذ الظهر ، ثم خلع عليه في بكرة نهار الجمعة ، وصلى بالناس يومئذ وخطبهم على قاعدة الخطباء . وفي يوم عرفة ، وكان يوم السبت ، توفي القاضي شهاب الدين بن فضل الله كاتب الاسرار الشريفة بالديار المصرية ، والبلاد الشامية ، ثم عزل عن ذلك ومات وليس يباشر شيئا من ذلك من رياسة وسعادة وأموال جزيلة ، وأملاك ومرتبات كثيرة ، وعمر دارا هائلة بسفح قاسيون بالقرب من الركنية شرقيها ليس بالسفح مثلها ، وقد انتهت إليه رياسة الانشاء ، وكان يشبه بالقاضي الفاضل في زمانه ، وله مصنفات عديدة بعبارات سعيدة ، وكان حسن المذاكرة سريع الاستحضار جيد الحفظ فصيح اللسان جميل الأخلاق ، يحب العلماء والفقراء ، ولم يجاوز الخمسين ( 1 ) ، توفي بدارهم داخل باب الفراديس ، وصلي عليه بالجامع الأموي ، ودفن بالسفح مع أبيه وأخيه بالقرب من اليغمورية سامحه الله وغفر له . وفي هذا اليوم توفي الشيخ عبد الله بن رشيق المغربي ، كاتب مصنفات شيخنا العلامة ابن تيمية ، كان أبصر بخط الشيخ منه ، إذا عزب شئ منه على الشيخ استخرجه أبو عبد الله هذا ، وكان سريع الكتابة لا بأس به ، دينا عابدا كثير التلاوة حسن الصلاة ، له عيال وعليه ديون رحمه الله وغفر له آمين . ثم دخلت سنة خمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك من البلاد الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون ، ونائب الديار المصرية مدير ممالكه والأتابك سيف
--> ( 1 ) كان مولده بدمشق في ثالث شوال سنة 700 ه ووفاته بها في تاسع ذي الحجة سنة 749 ه ( السلوك 2 / 792 ) .