ابن كثير
244
البداية والنهاية
ضوء ونور ، ودفن بالروضة إلى جانب قبر السيف ابن المجد رحمهما الله تعالى ، وكان مولده في رجب سنة خمس وسبعمائة فلم يبلغ الأربعين ، وحصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار ، وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والأصلين والتاريخ والقراءات وله مجاميع وتعاليق مفيدة كثيرة ، وكان حافظا جيدا لأسماء الرجال ، وطرق الحديث ، عارفا بالجرح والتعديل ، بصيرا بعلل الحديث ، حسن الفهم له ، جيد المذاكرة صحيح الذهن مستقيما على طريقة السلف ، واتباع الكتاب والسنة ، مثابرا على فعل الخيرات . وفي يوم الثلاثاء سلخه درس بمحراب الحنابلة صاحبنا الشيخ الإمام العلامة شرف الدين بن القاضي شرف الدين الحنبلي في حلقة الثلاثاء عوضا عن القاضي تقي الدين ابن الحافظ رحمه الله ، وحضر عنده القضاء والفضلاء ، وكان درسا حسنا أخذ في قوله تعالى ( إن الله يأمر بالعد والاحسان ) [ النحل : 90 ] وخرج إلى مسألة تفضيل بعض الأولاد . وفي يوم الخميس ثاني شهر جمادى الأولى خرجت التجريدة إلى الكرك مقدمان من الأمراء ، وهما الأمير شهاب الدين بن صبح ، والأمير سيف الدين قلاوون ، في أبهة عظيمة وتجمل وجيوش وبقارات ، وإزعاج كثيرة . وفي صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرفض الدال على الكفر المحض ، شهد عليه عند القاضي شرف الدين المالكي بشهادات كثيرة تدل على كفره ، وأنه رافضي جلد ، فمن ذلك تكفير الشيخين رضي الله عنهما ، وقذفه أم المؤمنين عائشة وحفصة رضي الله عنهما ، وزعم أن جبريل غلط فأوحى إلى محمد ، وإنما كان مرسلا إلى علي ، وغير ذلك من الأقوال الباطلة القبيحة قبحه الله ، وقد فعل . وكان والده الشيخ محمد السكاكيني يعرف مذهب الرافضة الشيعة جيدا ، وكانت له أسئلة على مذهب أهل الخير ، ونظم في ذلك قصيدة أجابه فيها شيخنا الإمام العلامة شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ، وذكر غير واحد من أصحاب الشيخ أن السكاكيني ما مات حتى رجع عن مذهبه ، وصار إلى قول أهل السنة فالله أعلم . وأخبرت أن ولده حسنا هذا القبيح كان قد أراد قتل أبيه لما أظهر السنة . وفي ليلة الاثنين خامس شهر رجب وصل بدن الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام كان إلى تربته التي إلى جانب جامعه الذي أنشأه ظاهر باب النصر بدمشق ، نقل من الإسكندرية بعد ثلاث سنين ونصف أو أكثر ، بشفاعة ابنته زوجة الناصر عند ولده السلطان الملك الصالح ، فأذن في ذلك وأرادوا أن يدفن بمدرسته بالقدس الشريف ، فلم يمكن ، فجئ به إلى تربته بدمشق وعملت له الختم وحضر القضاة والأعيان رحمه الله . وفي يوم الثلاثاء حادي عشر شعبان المبارك توفي صاحبنا الأمير صلاح الدين يوسف التكريتي ابن أخي الصاحب تقي الدين بن توبة الوزير ، بمنزله بالقصاعين ، وكان شابا من أبناء الأربعين ،