ابن كثير
243
البداية والنهاية
إلى صيدنايا مع بعض القسيسين فلوث يده بالعذرة وضرب اللحمة التي يعظمونها هنالك ، وأهانها غاية الإهانة لقوة إيمانه وشجاعته رحمه الله وإيانا . وفي يوم الخميس سابعه اجتمع الصاحب ومشد الدواوين ووكيل بيت المال ، ومشد الأوقاف ومباشرو الجامع ومعهم العمالين بالقول والمعاول ، يحفرون إلى جانب السارية عند باب مشهد علي تحت تلك الصخرة التي كانت هناك ، وذلك عن قول رجل جاهل ، زعم أن هناك مالا مدفونا فشاوروا نائب السلطنة فأمرهم بالحفر ، واجتمع الناس والعامة فأمرهم فأخرجوا وأغلقت أبواب الجامع كلها ليتمكنوا من الحفر ، ثم حفروا ثانيا وثالثا فلم يجدوا شيئا إلا التراب المحض ، واشتهر هذا الحفير في البلد وقصده الناس للنظر إليه والتعجب من أمره ، وانفصل الحال على أن حبس هذا الزاعم لهذا المحال ، وطم الحفير كما كان . وفي يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الأول قدم قاضي حلب ناصر الدين بن الخشاب على البريد مجتازا إلى دمشق فنزل بالعادلية الكبيرة ، وأخبر أنه صلى على المحدث البارع الفاضل الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي المضري يوم الجمعة ثامن هذا الشهر بحلب رحمه الله ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة ، وكان قد أتقن طرفا جيدا في علم الحديث ، وحفظ أسماء الرجال ، وجمع وخرج . وفي مستهل ربيع الاخر وقع حريق عظيم بسفح قاسيون احترق به سوق الصالحية الذي بالقرب من جامع المظفري ، وكانت جملة الدكاكين التي احترقت قريبا من مائة وعشرين دكانا ، ولم ير حريق من زمان أكبر منه ولا أعظم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي يوم الجمعة سادسه رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مواذن البلد كما يذكر في مواذن الجامع ، ففعل ذلك . وفي يوم الثلاثاء عاشره طلب من القاضي تقي الدين السبكي قاضي قضاة الشافعية أن يقرض ديوان السلطان شيئا من أموال الغياب التي تحت يده ، فامتنع من ذلك امتناعا كثيرا ، فجاء شاد الدواوين وبعض حاشية نائب السلطنة ففتحوا مخزن الأيتام وأخذوا منه خمسين ألف درهم قهرا ، ودفعوها إلى بعض العرب عما كان تأخر له في الديوان السلطاني ، ووقع أمر كثير لم يعهد مثله . وفي يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى توفي صاحبنا الشيخ الامام العالم العلامة الناقد البارع في فنون العلوم شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي ، تغمده الله برحمته ، وأسكنه بحبوحة جنته ، مرض قريبا من ثلاثة أشهر بقرحة وحمى سل ، ثم تفاقم أمره وأفرط به إسهال ، وتزايد ضعفه إلى أن توفي يومئذ قبل أذان العصر ، فأخبرني والده أن آخر كلامه أن قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين . فصلي عليه يوم الخميس بالجامع المظفري وحضر جنازته قضاة البلد وأعيان الناس من العلماء والأمراء والتجار والعامة ، وكانت جنازته حافلة مليحة ، عليها