ابن كثير

159

البداية والنهاية

الأديان ، فضلا عن أهل الاسلام . وهذه كانت جنازته . قال : وقد اتفق موته في سحر ليلة الاثنين المذكور ، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها وتكلم به الحراس على الأبرجة ، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخطيب العظيم والامر الجسيم ، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجئ منه ، حتى من الغوطة والمرج ، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئا ، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النهار على العادة ، وكان نائب السلطنة تنكز قد ذهب يتصيد في بعض الأمكنة ، فحارت الدولة ماذا يصنعون ، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه ، وجلس عنده ، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب ، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخصاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية ، فجلسوا عنده يبكون ويثنون * على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله ، وكشفت عن وجه الشيخ ونظرت إليه وقبلته ، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة وقد علاه الشيب أكثر مما فارقناه . وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين ختمة وشرعا في الحادية والثمانين ، فانتهينا فيها إلى آخر اقتربت الساعة ( إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) [ القمر : 55 ] فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيران عبد الله بن المحب وعبد الله الزرعي الضرير - وكان الشيخ رحمه الله يحب قراءتهما - فابتدءا من أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى . ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجت إلى مسجد هناك ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله ، منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين والأخيار ، أهل العلم والايمان ، فما فرغ منه حتى امتلأت القلعة وضج الناس بالبكا والثناء والدعاء والترحم ، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق العمادية على العادلية الكبيرة ، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين ، وذلك أن سويقة باب البريد كانت قد هدمت لتصلح ، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي ، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما لا يحصي عدتهم إلا الله تعالى ، فصرخ صارخ وصاح صائح هكذا تكون جنائز أئمة السنة فتباكى الناس وضجوا عند سماع هذا الصارخ ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة ، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف ، بل مرصوصين رصا لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة جو الجامع وبرى الأزقة والأسواق ، وذلك قبل أذان الظهر بقليل ، وجاء الناس من كل مكان ، وقوي خلق الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا اليوم لاكل ولا لشرب ، وكثر الناس كثرة لا تحد ولا توصف ، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة ، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إماما ، وهو الشيخ علاء الدين الخراط ، ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا ، واجتمعوا