ابن كثير

160

البداية والنهاية

بسوق الخيل ، ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية ، والناس في بكاء وتهليل في مخافته كل واحد بنفسه ، وفي ثناء وتأسف ، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن هذا العالم . وبالجملة كان يوما مشهودا لم يعهد مثله بدمشق إلا أن يكون في زمن بني أمية حين كان الناس كثيرين ، وكانت دار الخلافة ، ثم دفن عند أخيه قريبا من أذان العصر على التحديد ، ولا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة ، وتقريب ذلك أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدرات ، وما علمت أحدا من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلف عن الحضور في جنازته ، وهم ثلاثة أنفس : وهم ابن جملة ، والصدر ، والقفجاري ، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم ، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس ، وتردد شيخنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الأيام الثلاثة وكذلك جماعة من علماء الشافعية ، وكان برهان الدين الفزاري يأتي راكبا على حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه الله . وعملت له ختمات كثيرة ورئيت له منامات صالحة عجيبة ، ورثي بأشعار كثيرة وقصائد مطولة جدا . وقد أفردت له تراجم كثيرة ، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم ، وسألخص من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله وشجاعته وكرمه ونصحه وزهادته وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة وصفاته الكبار والصغار ، التي احتوت على غالب العلوم ومفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب والسنة وأفتى بها . وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي ، وخطأه أيضا مغفور له كما في صحيح البخاري : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " فهو مأجور . وقال الامام مالك بن أنس : كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر . وفي سادس عشرين ذي القعدة نقل تنكز حواصله وأمواله من دار الذهب داخل باب الفراديس إلى الدار التي أنشأها ، تعرف بدار فلوس ، فسميت دار الذهب ، وعزل خزنداره ناصر الدين محمد ابن عيسى ، وولي مكانه مملوكه أباجي . وفي ثامن عشرين ذي القعدة جاء إلى مدينة عجلون سيل عظيم من أول النهار إلى وقت العصر ، فهدم من جامعها وأسواقها ورباعها ودورها شيئا كثيرا ، وغرق سبعة نفر ، وهلك للناس شئ كثير من الأموال والغلات والأمتعة والمواشي ما يقارب قيمته ألف ألف درهم ( 1 ) وإنا لله وإنا إليه راجعون .

--> ( 1 ) في تذكرة النبيه 2 / 190 : خمسمائة ألف درهم .