ابن كثير

111

البداية والنهاية

النهر المذكور فلم يغرق منهم أحد ، وأخرجوا بعد رجوعهم مهنا وأولاده من بلادهم وساقوا خلفه إلى عانة وحديثه ثم بلغ الجيوش موت صاحب سيس ( 1 ) وقيام ولده من بعده ، فشنوا الغارات على بلاده وتابعوها وغنموا وأسروا إلا في المرة الرابعة فإنه قتل منهم جماعة . وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة ببلاد المغرب بين المسلمين والفرنج فنصر الله المسلمين على أعدائهم فقتلوا منهم خمسين ألفا وأسروا خمسة آلاف ، وكان في جملة القتلى خمسة وعشرين ملكا من ملوك الإفرنج ، وغنموا شيئا كثيرا من الأموال ، يقال كان من جملة ما غنموا سبعون قنطارا من الذهب والفضة ، وإنما كان جيش الاسلام يومئذ ألفين وخمسمائة فارس غير الرماة ، ولم يقتل منهم سوى أحد ( 2 ) عشر قتيلا ، وهذا من غريب ما وقع وعجيب ما سمع . وفي يوم الخميس ثاني عشرين رجب عقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقي الدين بن تيمية بحضرة نائب السلطنة ، وحضر فيه القضاة والمفتيون من المذاهب ، وحضر الشيخ وعاتبوه على العود إلى الافتاء بمسألة الطلاق ثم حبس في القلعة فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يوما ، ثم ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى . وبعد ذلك بأربعة أيام أضيف شد الأوقاف إلى الأمير علا الدين بن معبد إلى ما بيده من ولاية البر وعزل بدر الدين المنكورسي عن الشام . وفي آخر شعبان مسك الأمير علاء الدين الجاولي نائب غزة وحمل إلى الإسكندرية لأنه اتهم أنه يريد الدخول إلى دار اليمن ، واحتيط على حواصله وأمواله ، وكان له بر وإحسان وأوقاف ، وقد بنى بغزة جامعا حسنا مليحا . وفي هذا الشهر أراق ملك التتر أبو سعيد الخمور وأبطل الحانات ، وأظهر العدل والاحسان إلى الرعايا ، وذلك أنه أصابهم برد عظيم وجاءهم سيل هائل فلجأوا إلى الله عز وجل ، وابتهلوا إليه فسلموا فتابوا وأنابوا وعملوا الخير عقيب ذلك . وفي العشر الأول من شوال جرى الماء بالنهر الكريمي الذي اشتراه كريم الدين ( 3 ) بخمسة وأربعين ألفا وأجراه في جدول إلى جامعه بالقبيبات فعاش به الناس ، وحصل به أنس إلى أهل تلك الناحية ، ونصبت عليه الأشجار والبساتين ، وعمل حوض كبير تجاه الجامع من الغرب يشرب منه الناس والدواب ، وهو حوض كبير وعمل مطهرة ، وحصل بذلك نفع كثير ، ورفق زائد أثابه الله . وخرج الركب في حادي عشر شوال وأميره الملك صلاح الدين بن الأوحد ، وفيه زين الدين كتبغا الحاجب ، وكمال الدين الزملكاني والقاضي شمس الدين بن المعز ، وقاضي حماة شر ف الدين البازري ، وقطب الدين ابن شيخ السلامية وبدر الدين بن العطار ، وعلاء الدين بن غانم ، ونور الدين

--> ( 1 ) وهوأوشين بن ليفون وكان مريضا ، مات في جمادى الأولى ( مختصر أخبار البشر 4 / 89 ) . ( 2 ) في الأصل : إحدى . ( 3 ) وهو القاضي كريم الدين عبد الكريم بن المعلم هبة الله ، صاحب جامع الكريمي بالقبيبات .