ابن كثير
99
البداية والنهاية
أموالهم وسبى ذراريهم وأطفالهم ، فأقبلوا إليه محروبين فاقتتلوا معه أربعة أيام قتالا لم يسمع بمثله ، أولئك يقاتلون عن حريمهم والمسلمون عن أنفسهم ، يعلمون أنهم متى ولوا استأصلوهم ، فقتل من الفريقين خلق كثير ، حتى أن الخيول كانت تزلق في الدماء ، وكان جملة من قتل من المسلمين نحوا من عشرين ألفا ، ومن التتار أضعاف ذلك ، ثم تحاجز الفريقان وولى كل منهم إلى بلاده ولجأ خوارزم شاه وأصحابه إلى بخارى وسمرقند فحصنها وبالغ في كثرة من ترك فيها من المقاتلة ، ورجع إلى بلاده ليجهز الجيوش الكثيرة ، فقصدت التتار بخارى وبها عشرون ألف مقاتل فحاصرها جنكزخان ثلاثة أيام ، فطلب منه أهلها الأمان فأمنهم ودخلها فأحسن السيرة فيهم مكرا وخديعة ، وامتنعت عليه القلعة فحاصرها واستعمل أهل البلد في طم خندقها وكانت التتار يأتون بالمنابر والربعات فيطرحونها في الخندق يطمونه بها ففتحوها قسرا في عشرة أيام ( 1 ) ، فقتل من كان بها . ثم عاد إلى البلد فاصطفى أموال تجارها وأحلها لجنده فقتلوا من أهلها خلقا لا يعلمهم إلا الله عز وجل ، وأسروا الذرية والنساء ، وفعلوا معهن الفواحش بحضرة أهليهن ، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل ، ومنهم من أسر فعذب بأنواع العذاب ، وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال ، ثم ألقت التتار النار في دور بخارى ومدارسها ومساجدها فاحترقت حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها ، ثم كروا راجعين عنها قاصدين سمرقند ، وكان من أمرهم ما سنذكره في السنة الآتية . وفي مستهل هذه السنة خرب سور بيت المقدس عمره الله بذكره ، أمر بذلك المعظم خوفا من استيلاء الفرنج عليه بعد مشورة من أشار بذلك ، فإن الفرنج إذا تمكنوا من ذلك جعلوه وسيلة إلى أخذ الشام جميعه ، فشرع في تخريب السور في أول يوم المحرم فهرب منه أهله خوفا من الفرنج أن يهجموا عليهم ليلا أو نهارا ، وتركوا أموالهم وأثاثهم وتمزقوا في البلاد كل ممزق ، حتى قيل إنه بيع القنطار الزيت بعشرة دراهم والرطل النحاس بنصف درهم . وضج الناس وابتهلوا إلى الله عند الصخرة وفي الأقصى ، وهي أيضا فعلة شنعاء من المعظم مع ما أظهر من الفواحش في العام الماضي ، فقال بعضهم يهجو المعظم بذلك . في رجب حلل الحميا * وأخرب القدس في المحرم وفيها استحوذت الفرنج على مدينة دمياط ودخلوها بالأمان فغدروا بأهلها وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها ، وفجروا بالنساء وبعثوا بمنبر الجامع والربعات ورؤوس القتلى إلى الجزائر ، وجعلوا الجامع كنيسة . وفيها غضب المعظم على القاضي زكي الدين بن الزكي ، وسببه أن عمته ست الشام بنت أيوب مرضت في دارها التي جعلتها بعدها مدرسة فأرسلت إلى القاضي لتوصي إليه ، فذهب
--> ( 1 ) في ابن الأثير : اثني عشر يوما .