ابن كثير
86
البداية والنهاية
الكندي ، ولد ببغداد ونشأ بها واشتغل وحصل ، ثم قدم دمشق فأقام بها وفاق أهل زمانه شرقا وغربا في اللغة والنحو وغير ذلك من فنون العلم ، وعلو الاسناد وحسن الطريقة والسيرة وحسن العقيدة ، وانتفع به علماء زمانه وأثنوا عليه وخضعوا له . وكان حنبليا ثم صار حنفيا . ولد في الخامس والعشرين من شعبان سنة عشرين وخمسمائة ، فقرأ القرآن بالروايات وعمره عشر سنين ، وسمع الكثير من الحديث العالي على الشيوخ الثقات ، وعنى به وتعلم العربية واللغة واشتهر بذلك ، ثم دخل الشام في سنة ثلاث وستين وخمسمائة ، ثم سكن مصر واجتمع بالقاضي الفاضل ، ثم انتقل إلى دمشق فسكن بدار العجم منها وحظي عند الملوك والوزراء والامراء ، وتردد إليه العلماء والملوك وأبناؤهم ، كان الأفضل بن صلاح الدين وهو صاحب دمشق يتردد إليه إلى منزله ، وكذلك أخوه المحسن والمعظم ملك دمشق ، كان ينزل إليه إلى درب العجم يقرأ عليه في المفصل للزمخشري ، وكان المعظم يعطي لمن حفظ المفصل ثلاثين دينارا جائزة ، وكان يحضر مجلسه بدرب العجم جميع المصدرين بالجامع ، كالشيخ علم الدين السخاوي ويحيى بن معطي الوجيه اللغوي ، والفخر التركي وغيرهم ، وكان القاضي الفاضل يثني عليه . قال السخاوي : كان عنده من العلوم ما لا يوجد عند غيره . ومن العجب أن سيبويه قد شرح عليه كتابه وكان اسمه عمرو ، واسمه زيد . فقلت في ذلك : لم يكن في عهد ( 1 ) عمرو مثله * وكذا الكندي في آخر عصر فهما زيد وعمرو إنما * بني النحو على زيد وعمرو قال أبو شامة : وهذا كما قال فيه ابن الدهان المذكور في سنة ثنتين وتسعين وخمسمائة : يا زيد زادك ربي من مواهبه * نعما يقصر عن إدراكها الامل النحو أنت أحق العالمين به * أليس باسمك فيه يضرب المثل وقد مدحه السخاوي بقصيدة حسنة وأثنى عليه أبو المظفر سبط ابن الجوزي ، فقال قرأت عليه وكان حسن القصيدة ظريف الخلق لا يسأم الانسان من مجالسته ، وله النوادر العجيبة والخط المليح والشعر الرائق ، وله ديوان شعر كبير ، وكانت وفاته يوم الاثنين سادس شوال منها وله ثلاث وتسعون سنة وشهر وسبعة عشر يوما وصلي عليه بجامع دمشق ثم حمل إلى الصالحية فدفن بها ، وكان قد وقف كتبه - وكانت نفيسة - وهي سبعمائة وإحدى وستون مجلدا ، على معتقه نجيب الدين ياقوت ، ثم على العلماء في الحديث والفقه واللغة وغير ذلك ، وجعلت في خزانة كبيرة في مقصورة ابن سنان الحلبية المجاورة لمشهد علي بن زين العابدين ، ثم إن هذه الكتب تفرقت وبيع كثير منها ولم يبق بالخزانة المشار إليها إلا القليل الرث ، وهي بمقصورة الحلبية ، وكانت قديما يقال لها
--> ( 1 ) في الوافي بالوفيات 15 / 52 : عصر .