ابن كثير

71

البداية والنهاية

دير الحوراني ، قال فقيل لنا الصالحيين نسبة إلى مسجد أبي صالح لا أنا صالحون ، وسميت هذه البقعة من ذلك الحين بالصالحية نسبة إلينا ، فقرأ الشيخ أبو عمر القرآن على رواية أبي عمرو ، وحفظ مختصر الخرقي في الفقه ، ثم إن أخاه الموفق شرحه فيما بعد فكتب شرحه بيده ، وكتب تفسير البغوي والحلية لأبي نعيم والإبانة لابن بطة ، وكتب مصاحف كثيرة بيده للناس ولأهله بلا أجرة ، وكان كثير العبادة والزهادة والتهجد ، ويصوم الدهر وكان لا يزال متبسما ، وكان يقرأ كل يوم سبعا بين الظهر والعصر ويصلي الضحى ثماني ركعات يقرأ فيهن ألف مرة قل هو الله أحد ، وكان يزور مغارة الدم في كل يوم اثنين وخميس ، ويجمع في طريقه الشيخ فيعطيه الأرامل والمساكين ، ومهما تهيأ له من فتوح وغيره يؤثر به أهله والمساكين ، وكان متقللا في الملبس وربما مضت عليه مدة لا يلبس فيها سراويل ولا قميصا ، وكان يقطع من عمامته قطعا يتصدق بها أو في تكميل كفن ميت ، وكان هو وأخوه وابن خالهم الحافظ عبد الغني وأخوه الشيخ العماد لا ينقطعون عن غزاة يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج ، وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل وغيرها ، وجاء الملك العادل يوما إلى ختمهم أي خصهم لزيارة أبي عمر وهو قائم يصلي ، فما قطع صلاته ولا أوجز فيها ، فجلس السلطان واستمر أبو عمر في صلاته ولم يلتفت إليه حتى قضى صلاته رحمه الله والشيخ أبو عمر هو الذي شرع في بناء المسجد الجامع أولا بمال رجل فامي ، فنفد ما عنده وقد ارتفع البناء قامة فبعث صاحب إربل الملك المظفر كوكري ( 1 ) مالا فكمل به ، وولى خطابته الشيخ أبو عمر ، فكان يخطب به وعليه لباسه الضعيف وعليه أنوار الخشية والتقوى والخوف من الله عز وجل ، والمسك كيف خبأته ظهر عليك وبان ، وكان المنبر الذي فيه يومئذ ثلاث مراق والرابعة للجلوس ، كما كان المنبر النبوي ، وقد حكى أبو المظفر : أنه حضر يوما عنده الجمعة وكان الشيخ عبد الله البوتاني حاضرا الجمعة أيضا عنده ، فلما انتهى في خطبته إلى الدعاء للسلطان قال : اللهم أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب ، فلما قال ذلك نهض الشيخ عبد الله البوتاني وأخذ نعليه وخرج من الجامع وترك صلاة الجمعة ، فلما فرغنا ذهبت إلى البوتاني فقلت له : ماذا نقمت عليه في قوله ؟ فقال يقول لهذا الظالم العادل ؟ لا صليت معه ، قال فبينما نحن في الحديث إذ أقبل الشيخ أبو عمر ومعه رغيف وخيارتان فكسر ذلك الرغيف وقال الصلاة ، ثم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " بعثت في زمن الملك العادل كسرى " فتبسم الشيخ عبد الله البوتاني ومد يده فأكل فلما فرغوا قام الشيخ أبو عمر فذهب فلما ذهب قال لي البوتاني يا سيدنا ماذا إلا رجل صالح . قال أبو شامة كان البوتاني من الصالحين الكبار ، وقد رأيته وكانت وفاته بعد أبي عمر بعشر سنين فلم يسامح الشيخ أبا عمر في تساهله مع ورعه ، ولعله كان مسافرا والمسافر لا جمعة عليه ، وعذر الشيخ أبي عمر أن هذا قد جرى مجرى الاعلام العادل الكامل الأشرف ونحوه ، كما يقال

--> ( 1 ) في ابن الأثير : كوكبري .