ابن كثير

72

البداية والنهاية

سالم وغانم ومسعود ومحمود ، وقد يكون ذلك على الضد والعكس في هذه الأسماء ، فلا يكون سالما ولا غانما ولا مسعودا ولا محمودا ، وكذلك اسم العادل ونحوه من أسماء الملوك وألقابهم ، والتجار وغيرهم ، كما يقال شمس الدين وبدر الدين وعز الدين وتاج الدين ونحو ذلك قد يكون معكوسا على الضد والانقلاب ومثله الشافعي والحنبلي وغيرهم ، وقد تكون أعماله ضد ما كان عليه إمامه الأول من الزهد والعبادة ونحو ذلك ، وكذلك العادل يدخل إطلاقه على المشترك والله أعلم . قلت : هذا الحديث الذي احتج به الشيخ أبو عمر لا أصل له ، وليس هو في شئ من الكتب المشهورة ، وعجبا له ولأبي المظفر ثم لأبي شامة في قبول مثل هذا وأخذه منه مسلما إليه فيه والله أعلم . ثم شرع أبو المظفر في ذكر فضائل أبي عمر ومناقبه وكراماته وما رآه هو وغيره من أحواله الصالحة . قال : وكان على مذهب السلف الصالح سمتا وهديا ، وكان حسن العقيدة متمسكا بالكتاب والسنة والآثار المروية يمرها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين ، وكان ينهى عن صحبة المتبدعين ويأمر بصحبة الصالحين الذين هم على سنة سيد المرسلين وخاتم النبيين ، وربما أنشدني لنفسه في ذلك : أوصيكم بالقول في القرآن * بقول أهل الحق والاتقان ليس بمخلوق ولا بفان * لكن كلام الملك الديان آياته مشرقة المعاني * متلوة لله باللسان محفوظة في الصدر والجنان * مكتوبة في الصحف بالبنان والقول في الصفات يا إخواني * كالذات والعلم مع البيان إمرارها من غير ما كفران * من غير تشبيه ولا عطلان قال وأنشدني لنفسه : ألم يك ملهاة عن اللهو أنني * بدا لي شيب الرأس والضعف والألم ألم بي الخطب الذي لو بكيته * حياتي حتى يذهب الدمع لم ألم قال ومرض أياما فلم يترك شيئا مما كان يعمله من الأوراد ، حتى كانت وفاته وقت السحر في ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الأول فغسل في الدير وحمل إلى مقبرته في خلق كثير لا يعلمهم إلا الله عز وجل ، ولم يبق أحد من الدولة والامراء والعلماء والقضاة وغيرهم إلا حضر جنازته ، وكان يوما مشهودا ، وكان الحر شديدا فأظلت الناس سحابة من الحر ، كان يسمع منها كدوي النحل ، وكان الناس ينتهبون أكفانه وبيعت ثيابه بالغالي الغالي ، ورثاه الشعراء بمراث حسنة ، ورئيت له منامات صالحة رحمه الله . وترك من الأولاد ثلاثة ذكور : عمر ، وبه كان يكنى ، والشرف عبد الله وهو الذي ولي الخطابة بعد أبيه ، وهو والد العز أحمد . وعبد الرحمن . ولما توفي الشرف عبد الله