ابن كثير
55
البداية والنهاية
المضحكين : هذا لا يوقن بالموت ، عمره تسعون سنة واستأجر أرضا ثلاثمائة سنة ، فاستضحك القوم والله سبحانه وتعالى أعلم . ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة فيها جرت أمور طويلة بالمشرق بين الغورية والخوارزمية ، وملكهم خوارزم شاه بن تكش ببلاد الطالقان . وفيها ولى الخليفة القضاء ببغداد لعبد الله بن الدامغاني . وفيها قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب بن الشيخ عبد القادر الجيلاني ، بسبب فسقه وفجوره ، وأحرقت كتبه وأمواله قبل ذلك لما فيها من كتب الفلاسفة ، وعلوم الأوائل ، وأصبح يستعطي بين الناس ، وهذا بخطيئة قيامه على أبي الفرج بن الجوزي ، فإنه هو الذي كان وشى به إلى الوزير ابن القصاب حتى أحرقت بعض كتب ابن الجوزي ، وختم على بقيتها ، ونفي إلى واسط خمس سنين ، والناس يقولون : في الله كفاية وفي القرآن ، وجزاء سيئة سيئة مثلها ، والصوفية يقولون : الطريق يأخذ . والأطباء يقولون الطبيعة مكافئة . وفيها نازلت الفرنج حمص فقاتلهم ملكها أسد الدين شيركوه ، وأعانه بالمدد الملك الظاهر صاحب حلب فكف الله شرهم . وفيها اجتمع شابان ( 1 ) ببغداد على الخمر فضرب أحدهما الآخر بسكين فقتله وهرب ، فأخذ فقتل فوجد معه ( 2 ) رقعة فيها بيتان من نظمه أمر أن تجعل بين أكفانه : قدمت على الكريم بغير زاد * من الأعمال بالقلب السليم وسوء الظن أن تعتد زادا * إذا كان القدوم على كريم وفيها توفي من الأعيان : الفقيه أبو منصور عبد الرحمن بن الحسين بن النعمان النبلي ، الملقب بالقاضي شريح لذكائه وفضله وبرعاته وعقله وكمال أخلاقه ، ولي قضاء بلده ثم قدم بغداد فندب إلى المناصب الكبار فأباها ، فحلف عليه الأمير طاشتكين أن يعمل عنده في الكتابة فخدمه عشرين سنة ، ثم وشى به الوزير ابن مهدي إلى المهدي فحبسه في دار طاشتكين إلى أن مات في هذه السنة ، ثم إن الوزير الواشي عما قريب حبس بها أيضا ، وهذا مما نحن فيه من قوله : كما تدين تدان .
--> ( 1 ) قال في النجوم الزاهرة 6 / 193 : أحدهما أبو القاسم أحمد بن المقرئ صاحب ديوان الخليفة . داعب ابن الأمير أصبه ، وكان شابا جميلا فرماه بسكين فقتله . فسلمه الخليفة إلى أولاد ابن أصبه فقتلوه . قال ابن الأثير : وعمر كل واحد منهما يقارب عشرين سنة ( الكامل 12 / 257 ) . ( 2 ) قال ابن الأثير إنه طلب دواة وورقة بيضاء وكتب البيتين لما أرادوا قتله . ( 12 / 257 ) .