ابن كثير

49

البداية والنهاية

العراقي محمد بن العراقي ركن الدين أبو الفضل القزويني ، ثم الهمداني ، المعروف بالطاووسي ، كان بارعا في علم الخلاف والجدل والمناظرة ، أخذ علم ذلك عن رضي الدين النيسابوري الحنفي ، وصنف في ذلك ثلاث تعاليق قال ابن خلكان : أحسنهن الوسطى ، وكانت إليه الرحلة بهمدان ، وقد بنى له بعض الحجبة بها مدرسة تعرف بالحاجبية ، ويقال إنه منسوب إلى طاووس بن كيسان التابعي فالله أعلم . ثم دخلت سنة إحدى وستمائة فيها عزل الخليفة ولده محمد الملقب بالظاهر عن ولاية العهد بعد ما خطب له سبع ( 1 ) عشرة سنة ، وولى العهد ولده الآخر عليا ، فمات علي عن قريب فعاد الامر إلى الظاهر ، فبويع له بالخلافة بعد أبيه الناصر كما سيأتي في سنة ثلاث وعشرين وستمائة . وفيها وقع حريق عظيم بدار الخلافة في خزائن السلاح ، فاحترق من ذلك شئ كثير من السلاح والأمتعة والمساكن ما يقارب قيمته أربعة آلاف ألف دينار ، وشاع خبر هذا الحريق في الناس ، فأرسلت الملوك من سائر الأقطار هدايا أسلحة إلى الخليفة عوضا عن ذلك وفوقه من ذلك شيئا كثيرا . وفيها عاثت الكرج ببلاد المسلمين فقتلوا خلقا ، وأسروا آخرين . وفيها وقعت الحرب بين أمير مكة قتادة الحسيني ، وبين أمير المدينة سالم بن قاسم الحسيني ، وكان قتادة قد قصد المدينة فحصر سالما فيها ، فركب إليه سالم بعد ما صلى عند الحجرة فاستنصر الله عليه ، ثم برز إليه فكسره وساق وراءه إلى مكة فحصره بها ، ثم إن قتادة أرسل إلى أمراء سالم فأفسدهم عليه فكر سالم راجعا إلى المدينة سالما . وفيها ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج بلاد الروم واستلبها من ابن أخيه ، واستقر هو بها وعظم شأنه وقويت شوكته ، وكثرت عساكره وأطاعه الامراء وأصحاب الأطراف ، وخطب له الأفضل بن صلاح الدين بسميساط ، وسار إلى خدمته . واتفق في هذه السنة أن رجلا ببغداد نزل إلى دجلة يسبح فيها وأعطى ثيابه لغلامه فغرق في الماء فوجد في ورقة بعمامته هذه الأبيات : يا أيها الناس كان لي أمل * قصر بي عن بلوغه الاجل فليتق الله ربه رجل * أمكنه في حياته العمل ما أنا وحدي بفناء بيت * يرى كل إلى مثله سينتقل

--> ( 1 ) في الأصل : سبعة .