ابن كثير
391
البداية والنهاية
وراء النهر من بلد يقال لها خجندة ، واشتغل ودرس بخوارزم ، وأعاد ببغداد ، ثم قدم دمشق فدرس بالعزية والخاتونية البرانية ، وكان فاضلا بارعا منصفا مصنفا في فنون كثيرة ، توفي لخمس بقين من ذي الحجة منها ، وله ثنتان وستون سنة ، ودفن بالصوفية . الملك المظفر قرا أرسلان الإفريقي ، صاحب ماردين ( 1 ) ، توفي وله ثمانون سنة وقام بعده ولده شمس الدين داود ولقب بالملك السعيد والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وستمائة في تاريخ ظهير الدين الكازروني ظهرت نار بأرض المدينة النبوية في هذه السنة نظير ما كان في سنة أربع وخمسين على صفتها ، إلا أن هذه النار كان يعلو لهيبها كثيرا ، وكانت تحرق الصخر ولا تحرق السعف ، واستمرت ثلاثة أيام . استهلت هذه السنة والخليفة الحاكم العباسي وسلطان البلاد الملك الأشرف بن المنصور ونائبه بمصر بدر الدين بيدرا ، وبالشام عز الدين أيبك الحموي ، وقضاة مصر والشام هم الذين كانوا في التي قبلها ، والوزير شمس الدين بن السلعوس . وفي جمادى الآخرة قدم الأشرف دمشق فنزل في القصر الأبلق والميدان الأخضر ، وجهز الجيوش وتهيأ لغزو بلاد سيس ، وقدم في غضون ذلك رسل صاحب بلاد سيس يطلبون الصلح ، فشفع الامراء فيهم فسلموا بهسنا ( 2 ) وتل حمدون ( 3 ) . ومرعش ( 4 ) ، وهي أكبر بلادهم وأحسنها وأحصنها ، وهي في فم الدربند ، ثم ركب السلطان في ثاني رجب نحو سلمية بأكثر الجيش صورة أنه يريد أن يصيب الأمير حسام الدين لاجين ، فأضافه الأمير مهنا بن عيسى ، فلما انقضت الضيافة أمسك له حسام الدين لاجين ، وكان عنده ، فجاء به فسجنه في قلعة دمشق وأمسك مهنا بن عيسى وولى مكانه محمد بن علي بن حديثة ( 5 ) ثم أرسل السلطان جمهور الجيش بين يديه إلى الديار المصرية صحبة نائبه بيدرا ، ووزيره ابن السلعوس ، وتأخر هو في خاصكيته ثم لحقهم .
--> ( 1 ) ماردين : قلعة مشهورة بجبل الجزيرة مشرفة على دنيسر ونصيبين ( معجم البلدان ) . ( 2 ) بهسنا : من حصون الشام الشمالية ، شمال غرب عينتاب ( تقويم البلدان لأبي الفداء : ص 264 ) . ( 3 ) تل حمدون : قلعة من بلاد الأرمن ( أبو الفداء ، تقويم البلدان ص 250 ) . ( 4 ) مرعش : من حصون الشام الشمالية بينها وبين أنطاكية 78 ميلا ( أبو الفداء : تقويم البلدان ص 262 ) . ( 5 ) في الأصل حذيفة ، والتصحيح من تذكرة النبيه 1 / 160 والقلقشندي صبح الأعشى 4 / 206 السلوك 1 / 784 .