ابن كثير
39
البداية والنهاية
وعندهم من ذلك شئ سوى هاون ، فوقف سائل ببابه فألح في الطلب فأخرج إليه الهاون فقال : خذ هذا وكل به ثلاثين يوما ، ولا تسأل الناس ولا تشنع على الله عز وجل . هذا الرجل من خيار الصالحين ، والمقصود أنه قال لأخيه أبي منصور : ويحك أنت تدور في الأسواق وتنشد الاشعار وأخوك من قد عرفت ؟ فأنشأ يقول في جواب ذلك بيتين مواليا من شعره على البديهة : قد خاب من شبه الجزعة إلى درة * وقاس قحبة إلى مستحيية حره أنا مغني وأخي زاهد إلى مرة * في الدر ببرى ذي حلوة وذي مره وقد جرى عنده مرة ذكر قتل عثمان وعلي حاضر ، فأنشأ يقول كان وكان ، ومن قتل في جواره مثل ابن عفان فاعتذر ، يجب عليه أن يقبل في الشام عذر يزيد ، فأرادت الروافض قتله فاتفق أنه بعض الليالي يسحر الناس في رمضان إذ مر بدار الخليفة فعطس الخليفة في الطارقة فشمته أبو منصور هذا من الطريق ، فأرسل إليه مائة دينار ، ورسم بحمايته من الروافض ، إلى أن مات في هذه السنة رحمه الله . وفيها توفي مسند الشام : أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي ، شارك ابن عساكر في كثير من مشيخته ، وطالت حياته بعد وفاته بسبع وعشرين سنة فألحق فيها الأحفاد بالأجداد ( 1 ) . ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة فيها شرع الشيخ أبو عمر محمد بن قدامة باني المدرسة بسفح قايسون ( 2 ) ، في بناء المسجد الجامع بالسفح ، فاتفق عليه رجل يقال له الشيخ أبو داود محاسن الغامي ، حتى بلغ البناء مقدار قامة فنفد ما عنده ، وما كان معه من المال ، فأرسل الملك المظفر كوكري بن زين الدين صاحب إربل مالا جزيلا ليتمه به ، فكمل وأرسل ألف دينار ليساق بها إليه الماء من بردى ، فلم يمكن من ذلك الملك المعظم صاحب دمشق ، واعتذر بأن هذا فرش قبور كثيرة للمسلمين ، فصنع له بئر وبغل يدور ، ووقف عليه وقفا لذلك . وفيها كانت حروب كثيرة وخطوب طويلة بين الخوارزمية والغورية ببلاد المشرق بسطها ابن الأثير ( 3 ) واختصرها ابن كثير . وفيها درس بالنظامية مجد الدين
--> ( 1 ) كذا ذكر المؤلف وفاته في هذه السنة ووافقه أبو شامة في ( الذيل 28 ) . وفي وفيات الأعيان : 1 / 269 ذكر وفاته في 27 صفر سنة 598 وكذا ذكره الذهبي في العبر قال : توفي في سابع صفر ( 4 / 302 ) . ( 2 ) كذا بالأصل والمشهور : قاسيون . ( 3 ) انظر الكامل 12 / 173 وما بعدها : في أحداث سنة 598 ه .