ابن كثير
38
البداية والنهاية
القصر لما مات العاضد وعمر سور القاهرة محيطا على مصر أيضا ، وانتهى إلى المقسم وهو المكان الذي اقتسمت فيه الصحابة ما غنموا من الديار المصرية ، وبنى قلعة الجبل ، وكان صلاح الدين سلمه عكا ليعمر فيها أماكن كثيرة فوقع الحصار وهو بها ، فلما خرج البدل منها كان هو من جملة من خرج ، ثم دخلها ابن المشطوب . وقد ذكر أنه أسر فافتدى نفسه بعشرة آلاف دينار ( 1 ) ، وعاد إلى صلاح الدين ففرح به فرحا شديدا ، ولما توفي في هذه السنة احتاط العادل على تركته وصارت أقطاعه وأملاكه للملك الكامل محمد بن العادل . قال ابن خلكان : وقد نسب إليه أحكام عجيبة ، حتى صنف بعضهم ( 2 ) جزءا لطيفا سماه كتاب " الفاشوش في أحكام قراقوش " ، فذكر أشياء كثيرة جدا ، وأظنها موضوعة عليه ، فإن الملك صلاح الدين كان يعتمد عليه ، فكيف يعتمد على من بهذه المثابة والله أعلم . مكلبة بن عبد الله المستنجدي كان تركيا عابدا زاهدا ، سمع المؤذن وقت السحر وهو ينشد على المنارة : يا رجال الليل جدوا * رب صوت لا يرد ما يقوم الليل إلا * من له عزم وجد فبكى مكلبة وقال للمؤذن يا مؤذن زدني ، فقال : قد مضى الليل وولى * وحبيبي قد تخلا فصرخ مكلبة صرخة كان فيها حتفه ، فأصبح أهل البلد قد اجتمعوا على بابه فالسعيد منهم من وصل إلى نعشه رحمه الله تعالى . أبو منصور بن أبي بكر بن شجاع المركلسي ببغداد ، ويعرف بابن نقطة ، كان يدور في أسواق بغداد بالنهار ينشد كان وكان والمواليا ، ويسحر الناس في ليالي رمضان ، وكان مطبوعا ظريفا خليعا ، وكان أخوه الشيخ عبد الغني الزاهد من أكابر الصالحين ( 3 ) ، له زاوية ببغداد يزار فيها ، وكان له أتباع ومريدون ، ولا يدخر شيئا يحصل له من الفتوح ، تصدق في ليلة بألف دينار وأصحابه صيام لم يدخر منها شيئا لعشائهم ، وزوجته أم الخليفة بجارية من خواصها وجهزتها بعشرة آلاف دينار إليه فما حال الحول
--> ( 1 ) قال ابن شداد في سيرة صلاح الدين ص 239 : أنه انفك من الأسر يوم الثلاثاء 11 شوال سنة 588 ه . ( 2 ) وهو الأسعد بن مماتي ( انظر وفيات الأعيان 4 / 92 ) . ( 3 ) توفي ببغداد في 4 جمادى الآخرة سنة 583 ودفن في موضع مجاور لمسجده ( الوفيات 4 / 393 ) .