ابن كثير
378
البداية والنهاية
الديار المصرية بعساكره قاصدا عكا ، فتوافت الجيوش هنالك ، فنازلها يوم الخميس رابع ( 1 ) ربيع الآخر ونصبت عليها المناجيق ( 2 ) من كل ناحية يمكن نصبها عليها ، واجتهدوا غاية الاجتهاد في محاربتها والتضييق على أهلها ، واجتمع الناس بالجوامع لقراءة صحيح البخاري ، فقرأه الشيخ شرف الدين الفزاري ، فحضر القضاة والفضلاء والأعيان . وفي أثناء محاصرة عكا وقع تخبيط من نائب الشام حسام الدين لاجين ، فتوهم أن السلطان يريد مسكه ، وكان قد أخبره بذلك الأمير الذي يقال له أبو خرص ( 3 ) ، فركب هاربا فرده علم الدين الدويداري بالمسا به وجاء به إلى السلطان فطيب قلبه وخلع عليه ثم أمسكه بعد ثلاثة أيام وبعثه إلى قلعة صفد واحتاط على حواصله ، ورسم على أستاذ داره بدر الدين بكداش ، وجرى ما لا يليق وقوعه هنالك ، إذ الوقت وقت عسر وضيق وحصار . وصمم السلطان على الحصار فرتب الكوسات ثلاثمائة حمل ، ثم زحف يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى ( 4 ) ودقت الكوسات جملة واحدة عند طلوع الشمس ، وطلع المسلمون على الأسوار مع طلوع الشمس ، ونصبت السناجق الاسلامية فوق أسوار البلد ، فولت الفرنج عند ذلك الادبار ، وركبوا هاربين في مراكب التجار ، وقتل منهم عدد لا يعلمه إلا الله تعالى ، وغنموا من الأمتعة والرقيق والبضائع شيئا كثيرا جدا ، وأمر السلطان بهدمها وتخريبها ، بحيث لا ينتفع بها بعد ذلك ، فيسر الله فتحها نهار جمعة ، كما أخذتها الفرنج من المسلمين في يوم الجمعة ( 5 ) ، وسلمت صور وصيدا قيادتهما إلى الأشرف ، فاستوثق الساحل للمسلمين ، وتنظف من الكافرين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين . وجاءت البطاقة إلى دمشق بذلك ففرح المسلمون ، ودقت البشائر في سائر الحصون ، وزينت البلاد ليتنزه فيها الناظرون والمتفرجون ، وأرسل السلطان إلى صور أميرا فهدم أسوارها وعفا آثارها . وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثمان عشرة وخمسمائة . وأما عكا فقد كان الملك الناصر يوسف بن أيوب أخذها من أيدي الفرنج ، ثم إن الفرنج جاؤوا فأحاطوا بها بجيوش كثيرة ، ثم جاء صلاح الدين ليمانعهم عنها مدة سبعة وثلاثين شهرا ، ثم آخر ذلك استملكوها وقتلوا من كان فيها من المسلمين ، كما تقدم ذلك . ثم إن السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون سار من عكا قاصدا دمشق في أبهة
--> ( 1 ) في السلوك 1 / 764 : ثالث ربيع الآخرة . ( 2 ) في السلوك : المجانيق ( انظر مختصر أبي الفداء 4 / 24 ) . ( 3 ) وهو علم الدين سنجر الحموي ( مختصر أبي الفداء 4 / 26 ، السلوك 1 / 767 ) . ( 4 ) في مختصر أبي الفداء 4 / 25 وتذكرة النبيه 1 / 137 بدائع الزهور 1 / 1 / 368 : جمادى الآخرة . ( 5 ) كان ذلك يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة 587 ه . واستولى يومئذ الفرنج على من بها من المسلمين ثم قتلوهم .