ابن كثير
379
البداية والنهاية
الملك وحرمة وافرة ، وفي صحبته وزيره ابن السلعوس والجيوش المنصورة ، وفي هذا اليوم استناب بالشام الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ، وسكن بدار السعادة ، وزيد في إقطاعه حرستا ولم تقطع لغيره ، وإنما كانت لمصالح حواصل القلعة ، وجعل له في كل يوم ثلاثمائة على دار الطعام ، وفوض إليه أن يطلق من الخزانة ما يريد من غير مشاورة ولا مراجعة ، وأرسله السلطان إلى صيدا لأنه كان قد بقي بها برج عصي ، ففتحه ودقت البشائر بسببه ، ثم عاد سريعا إلى السلطان فودعه ، وسار السلطان نحو الديار المصرية في أواخر رجب ، وبعثه إلى بيروت ليفتحها فسار إليها ففتحها في أقرب وقت ، وسلمت عثلية ( 1 ) وانطرطوس وجبيل . ولم يبق بالسواحل ولله الحمد معقل للفرنج إلا بأيدي المسلمين ، وأراح الله منهم البلاد والعباد ، ودخل السلطان إلى القاهرة في تاسع شعبان في أبهة عظيمة جدا ، وكان يوما مشهودا . وأفرج عن بدر الدين بيسرى بعد سجن سبع سنين . ورجع علم الدين سنجر الشجاعي نائب دمشق إلى دمشق في سابع عشرين الشهر المذكور ، وقد نظف السواحل من الفرنج بالكلية ، ولم يبق لهم بها حجر . وفي رابع رمضان أفرج عن حسام الدين لاجين من قلعة صفد ومعه جماعة أمراء ، ورد عليهم إقطاعاتهم ، وأحسن إليهم وأكرمهم ( 2 ) . وفي أوائل رمضان طلب القاضي بدر الدين بن جماعة من القدس الشريف وهو حاكم به ، وخطيب فيه ، على البريد إلى الديار المصرية فدخلها في رابع عشرة ، وأفطر ليلتئذ عند الوزير ابن السلعوس وأكرمه جدا واحترمه ، وكانت ليلة الجمعة ، فصرح الوزير بعزل تقي الدين ابن بنت الأعز وتولية ابن جماعة بالديار المصرية قضاء القضاة ، وجاء القضاة إلى تهنئته وأصبح الشهود بخدمته ( 3 ) ، ومع القضاء خطابة الجامع الأزهر ، وتدريس الصالحية ، وركب في الخلعة والطرحة ورسم لبقية القضاة أن يستمروا بلبس الطرحات ، وذهب فخطب بالجامع الأزهر ، وانتقل إلى الصالحية ودرس بها في الجمعة الأخرى وكان درسا حافلا ، ولما كان يوم الجمعة رسم السلطان للحاكم بأمر الله أن يخطب هو بنفسه الناس يومئذ وأن يذكر في خطبته أنه قد ولى السلطنة للأشرف
--> ( 1 ) في مختصر أبي الفداء 4 / 25 والسلوك 1 / 765 : عثليث ، قال أبو الفداء : تسلم عثليث في مستهل شعبان ثم تسلم انطرطوس في خامس شعبان ( انظر هامش 3 صفحة 765 السلوك ج 1 ) . ( 2 ) قال في بدائع الزهور 1 / 369 إن السلطان أمر بخنق مجموعة من الامراء كان قد حبسهم بالقلعة - ببرج الحية - وبينهم الأمير لاجين ، فخنقوا ولما أرادوا دفنهم وجدوا الأمير لاجين فيه الروح فأخبروا السلطان بذلك فعطف عليه وأفرج عنه . أما المقريزي في السلوك فقال إنه أفرج عن الامراء كافة ومن بينهم الأمير لاجين . ( 1 / 771 ) . ( 3 ) الخدمة هنا بمعنى التحية ، وهذا الاستعمال الاصطلاحي " للخدمة " كثير الورود في كتب المؤرخين ، وللخدمة في حضرة السلطان صيغ كثيرة : منها الايماء باليد اليمنى إلى الأرض ، وخفض الرأس نحو الركوع ، وتقبيل الأرض سجودا . . . وقد يأتي فعل " خدم " بمعنى أهدى .