ابن كثير
341
البداية والنهاية
الأمير عز الدين ازدمر الحاج . فأرسل السلطان المنصور لحصار شيزر طائفة من الجيش ، فبينما هم كذلك إذ أقبلت التتار لما سمعوا بتفريق كلمة المسلمين ، فانجفل الناس من بين أيديهم من سائر البلاد إلى الشام ، ومن الشام إلى مصر ، فوصلت التتار إلى حلب فقتلوا خلقا كثيرا ، ونهبوا جيشا كبيرا ، وظنوا أن جيش سنقر الأشقر يكون معهم على المنصور ، فوجدوا الامر بخلاف ذلك ، وذلك أن المنصور كتب إلى سنقر الأشقر . إن التتار قد أقبلوا إلى المسلمين ، والمصلحة أن نتفق عليهم لئلا يهلك المسلمون بيننا وبينهم ، وإذا ملكوا البلاد لم يدعوا منا أحدا . فكتب إليه سنقر بالسمع والطاعة وبرز من حصنه فخيم بجيشه ليكون على أهبة متى طلب أجاب ، ونزلت نوابه من حصونهم وبقوا مستعدين لقتال التتار ، وخرج المنصور من مصر في أواخر جمادى الآخرة ومعه العساكر . وفي يوم الجمعة الثالث من جمادى الآخرة قرئ على منبر جامع دمشق كتاب من السلطان أنه قد عهد إلى ولده علي ، ولقب بالملك الصالح ، فلما فرغ من قراءة الكتاب جاءت البريدية فأخبروا برجوع التتار من حلب إلى بلادهم ، وذلك لما بلغهم من اتفاق كلمة المسلمين ، ففرح المسلمون بذلك ولله الحمد ، وعاد المنصور إلى مصر وكان قد وصل إلى غزة ، أراد بذلك تخفيف الوطأة عن الشام فوصل إلى مصر في نصف شعبان . وفي جمادى الآخرة أعيد برهان الدين السنجاري إلى وزارة مصر ورجع فخر الدين بن لقمان إلى كتابة الانشاء . وفي أواخر رمضان أعيد إلى القضاء ابن رزين وعزل ابن بنت الأعز ، وأعيد القاضي نفيس الدين بن شكر المالكي ، ومعين الدين الحنفي ، وتولى قضاء الحنابلة عز الدين المقدسي . وفي ذي الحجة جاء تقليد ابن خلكان بإضافة المعاملة الحلبية إليه يستنيب فيها من شاء من نوابه . وفي مستهل ذي الحجة خرج الملك المنصور من بلاد مصر بالعساكر قاصدا الشام ، واستناب على مصر ولده الملك الصالح علي بن المنصور إلى حين رجوعه ، قال الشيخ قطب الدين : وفي يوم عرفة وقع بمصر برد كبار أتلف شيئا كثيرا من المغلات ، ووقعت صاعقة بالإسكندرية وأخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة فأحرقتها ، فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه أواقي بالرطل المصري ( 1 ) . وجاء السلطان فنزل بعساكره تجاه عكا ، فخافت الفرنج منه خوفا شديدا وراسلوه في طلب تجديد الهدنة ، وجاء الأمير عيسى بن مهنا من بلاد العراق إلى خدمة المنصور ، وهو بهذه المنزلة فتلقاه السلطان بجيشه وأكرمه واحترمه وعامله بالصفح والعفو والاحسان . وممن توفي فيها من الأعيان : الأمير الكبير جمال الدين آقوش الشمسي أحد أمراء الاسلام ، وهو الذي باشر قتل كتبغانوين أحد مقدمي التتار ، وهو المطاع فيهم
--> ( 1 ) الأوقية من الأوزان المصرية ، فالرطل المصري 12 أوقية ، والأوقية 12 درهما ( صبح الأعشى 3 / 441 ) .