ابن كثير

338

البداية والنهاية

الذي يلي المدينة ، فهجم منه ودخل القلعة واستدعى الامراء فبايعوه على السلطنة ، ولقب بالملك الكامل ، وأقام بالقلعة ونادت المنادية بدمشق بذلك ، فلما أصبح يوم السبت استدعى بالقضاة والعلماء والأعيان ورؤساء البلد إلى مسجد أبي الدرداء بالقلعة ، وحلفهم وحلف له بقية الامراء والعسكر ، وأرسل العساكر إلى غزة لحفظ الأطراف وأخذ الغلات ، وأرسل الملك المنصور إلى الشوبك ( 1 ) فتسلمها نوابه ولم يمانعهم نجم الدين خضر . وفيها جددت أربع أضلاع في قبة النسر من الناحية الغربية . وفيها عزل فتح الدين بن القيسراني من الوزارة بدمشق ووليها تقي الدين بن توبة التكريتي . وممن توفي فيها من الأعيان : عز الدين بن غانم الواعظ عبد السلام بن أحمد بن غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن حسين عز الدين أحمد الأنصاري المقدسي ، الواعظ المطبق المفلق الشاعر الفصيح ، الذي نسج على منوال ابن الجوزي وأمثاله ، وقد أورد له قطب الدين أشياء حسنة كثيرة مليحة ، وكان له قبول عند الناس ، تكلم مرة تجاه الكعبة المعظمة ، وكان في الحضرة الشيخ تاج الدين بن الفزاري والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد ، وابن العجيل من اليمن وغيرهم من العلماء والعباد ، فأجاد وأفاد وخطب فأبلغ وأحسن . نقل هذا المجلس الشيخ تاج الدين بن الفزاري ، وأنه كان في سنة خمس وسبعين . الملك السعيد بن الملك الظاهر بركة خان ناصر الدين محمد بن بركة خان أبو المعالي بن السلطان الملك الظاهر . ركن الدين بيبرس البند قداري ، بايع له أبوه الامراء في حياته ، فلما توفي أبوه بويع له بالملك وله تسع عشرة سنة ، ومشيت له الأمور في أول الأمر على السعادة ، ثم إنه غلبت عليه الخاصكية فجعل يلعب معهم في الميدان الأخضر فيما قيل أول هوى ، فربما جاءت النوبة عليه فينزل لهم ، فأنكرت الامراء الكبار ذلك وأنفوا أن يكون ملكهم يلعب مع الغلمان ، ويجعل نفسه كأحدهم ، فراسلوه في ذلك ليرجع عما هو عليه فلم يقبل ، فخلعوه كما ذكرنا ، وولوا السلطان الملك المنصور قلاوون في أواخر رجب كما تقدم . ثم كانت وفاته في هذه السنة بالكرك في يوم الجمعة الحادي عشر من ذي القعدة ، يقال إنه سم فالله أعلم ، وقد دفن أولا عند قبر جعفر وأصحابه الذين قتلوا بموته ، ثم

--> ( 1 ) الشوبك : قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وأيلة القلزم قرب الكرك ( ياقوت ) ، وقد تسلمها الأمير بدر الدين بيلك الايدمري في 18 ذي الحجة سنة 678 ( السلوك 1 / 670 ) .