ابن كثير

339

البداية والنهاية

نقل إلى دمشق فدفن في تربة أبيه ( 1 ) سنة ثمانين وستمائة ، وتملك الكرك بعده أخوه نجم الدين خضر وتلقب بالملك المسعود ، فانتزعها المنصور من يده كما سيأتي إن شاء الله تعالى . ثم دخلت سنة تسع وسبعين وستمائة كان أولها يوم الخميس ثالث أيار ، والخليفة الحاكم بأمر الله وملك مصر الملك المنصور قلاوون الصالحي ، وبعض بلاد الشام أيضا ، وأما دمشق وأعمالها فقد ملكها سنقر الأشقر ، وصاحب الكرك الملك المسعود بن الظاهر ، وصاحب حماه الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين محمود ، والعراق وبلاد الجزيرة وخراسان والموصل وإربل وأذربيجان وبلاد بكر وخلاط وما والاها وغير ذلك من البلاد بأيدي التتار ، وكذلك بلاد الروم في أيديهم أيضا ، ولكن فيها غياث الدين بن ركن الدين ، ولا حكم له سوى الاسم ، وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر ، وصاحب الحرم الشريف نجم الدين بن أبي نمي الحسني ، وصاحب المدينة عز الدين جماز بن شيحه الحسيني . ففي مستهل السنة المذكورة ركب السلطان الملك الكامل سنقر الأشقر من القلعة إلى الميدان وبين يديه الامراء ومقدمر الحلقة الغاشية ، وعليهم الخلع والقضاة والأعيان ركاب معه ، فسير في الميدان ساعة ثم رجع إلى القلعة ، وجاء إلى خدمته الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب ، فقبل الأرض بين يديه ، وجلس إلى جانبه وهو على السماط ، وقام له الكامل ، وكذلك جاء إلى خدمته ملك الاعراب بالحجاز ، وأمر الكامل سنقر أن تضاف البلاد الحلبية إلى ولاية القاضي شمس الدين بن خلكان ، وولاه تدريس الأمينية وانتزعها من ابن سنى الدولة . ولما بلغ الملك المنصور بالديار المصرية ما كان من أمر سنقر الأشقر بالشام أرسل إليه جيشا كثيفا فهزموا عسكر سنقر الأشقر الذي كان قد أرسله إلى غزة ، وساقوهم بين أيديهم حتى وصل جيش المصريين إلى قريب دمشق ، فأمر الملك الكامل أن يضرب دهليزه بالجسورة ، وذلك في يوم الأربعاء ثاني عشر صفر ، ونهض بنفسه وبمن معه فنزل هنالك واستخدم خلقا كثيرا وأنفق أموالا جزيلة ، وانضاف إليه عرب الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ، وشهاب الدين أحمد بن حجى ، وجاءته نجدة حلب ونجدة حماه ورجال كثيرة من رجال بعلبك ، فلما كان يوم الأحد السادس عشر من صفر أقبل الجيش المصري صحبة الأمير علم الدين سنجر الحلبي ، فلما تراءا الجمعان وتقابل الفريقان تقاتلوا إلى الرابعة في النهار ، فقتل نفر كثير وثبت الملك الكامل سنقر الأشقر ثباتا جيدا ، ولكن خامر عليه الجيش فمنهم من صار إلى المصري ومنهم من انهزم في كل وجه ، وتفرق عنه

--> ( 1 ) وهي المدرسة الظاهرية المعروفة بدار العقيقي ، وهي الظاهرية الجوانية والتي أنشأها الملك الظاهر بيبرس لتكون مدرسة للحنفية والشافعية ودار للحديث . كرد علي : خطط الشام 6 / 82 الدارس في تاريخ المدارس 1 / 348 .