ابن كثير
326
البداية والنهاية
برأيه ومكاشفات صحيحة مطابقة ، إما رحمانية أو شيطانية ، أو حال أو سعادة ، لكنه افتتن لما خالط الناس ببعض بنات الامراء ، وكن لا يحتجبن منه ، فوقع في الفتنة . وهذا في الغالب واقع في مخالطة الناس فلا يسلم المخالط لهم من الفتنة ، ولا سيما مخالطة النساء مع ترك الأصحاب ، فلا يسلم العبد البتة منهن . فلما وقع ما وقع فيه حوقق عند السلطان وتيسرى وقلاوون والفارس إقطاي الأتابك ، فاعترف ، فهم بقتله فقال له : إنما بيني وبينك أيام قلائل ، فأمر بسجنه فسجن سنين عديدة من سنة إحدى وسبعين إلى سنة ست وسبعين ، وقد هدم بالقدس كنيسة وذبح قسيسها وعملها زاوية وقد قدمنا ترجمته قبل ذلك فيما تقدم ، ثم لم يزل مسجونا حتى مات في يوم الخميس سادس المحرم من هذه السنة ، فأخرج من القلعة وسلم إلى قرابته فدفن في تربة أنشأها في زاويته . مات وهو في عشر الستين ، وقد كان يكاشف السلطان في أشياء ، وإليه تنسب قبة الشيخ خضر التي على الجبل غربي الربوة ، وله زاوية بالقدس الشريف ( 1 ) . الشيخ محيي الدين النووي يحيى بن شرف بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الحازمي العالم ، محيي الدين أبو زكريا النووي ثم الدمشقي الشافعي العلامة شيخ المذهب ، وكبير الفقهاء في زمانه ، ولد بنوى سنة إحدى وثلاثين وستمائة ، ونوى قرية من قرى حوران ، وقد قدم دمشق سنة تسع وأربعين ، وقد حفظ القرآن فشرع في قراءة التنبيه ، فيقال إنه قرأه في أربعة أشهر ونصف ، وقرأ ربع العبادات من المذهب في بقية السنة ، ثم لزم المشايخ تصحيحا وشرحا ، فكان يقرأ في كل يوم اثنا عشر درسا على المشايخ ، ثم اعتنى بالتصنيف فجمع شيئا كثيرا ، منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله ، فمما كمل شرح مسلم والروضة والمنهاج والرياض والأذكار والتبيان ، وتحرير التنبيه وتصحيحه ، وتهذيب الأسماء واللغات ، وطبقات الفقهاء وغير ذلك . ومما لم يتممه ولو كمل لم يكن له نظير في بابه : شرح المهذب الذي سماه المجموع ، وصل فيه إلى كتاب الربا ، فأبدع فيه وأجاد وأفاد ، وأحسن الانتقاد ، وحرر الفقه فيه في المذهب وغيره ، وحرر الحديث على ما ينبغي ، والغريب واللغة وأشياء مهمة لا توجد إلا فيه ، وقد جعله نخبة على ما عن له ولا أعرف في كتب الفقه أحسن منه ، على أنه محتاج إلى أشياء كثيرة تزاد فيه وتضاف إليه ، وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح عن الناس على جانب كبير ، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره ، وكان يصوم الدهر ولا يجمع بين إدامين ، وكان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى ، وقد باشر تدريس الاقبالية نيابة عن ابن خلكان ، وكذلك ناب في الفلكية والركنية ، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية ، وكان لا يضيع شيئا من أوقاته ، وحج في مدة إقامته بدمشق ، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
--> ( 1 ) تقدمت ترجمته ، وقد ذكر المؤلف وفاته في سنة 671 ه . انظر حاشية رقم 3 صفحة 309 .