ابن كثير

302

البداية والنهاية

الحرب بينهم عشر سنين فأجابه إلى ذلك ، وأرسل إليه الإسماعيلية يستعطفونه على والدهم ، وكان مسجونا بالقاهرة ، فقال : سلموا إلي العليقة وانزلوا فخذوا إقطاعات بالقاهرة ، وتسلموا أباكم . فلما نزلوا أمر بحبسهم بالقاهرة واستناب بحصن العليقة ( 1 ) . وفي يوم الأحد الثاني عشر ( 2 ) من شوال جاء سيل عظيم إلى دمشق فأتلف شيئا كثيرا ، وغرق بسببه ناس كثير ، لا سيما الحجاج من الروم الذين كانوا نزولا بين النهرين ، أخذهم السيل وجمالهم وأحمالهم ، فهلكوا وغلقت أبواب البلد ، ودخل الماء إلى البلد من مراقي السور ، ومن باب الفراديس فغرق خان ابن المقدم وأتلف شيئا كثيرا ، وكان ذلك في زمن الصيف في أيام المشمش ، ودخل السلطان إلى دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوال فعزل القاضي ابن خلكان ، وكان له في القضاء عشر سنين ، وولى القاضي عز الدين بن الصائغ ، وخلع عليه ، وكان تقليده قد كتب بظاهر طرابلس بسفارة الوزير ابن الحنا ، فسار ابن خلكان في ذي القعدة إلى مصر . وفي ثاني عشر شوال دخل حصن الكردي شيخ السلطان الملك الظاهر وأصحابه إلى كنيسة اليهود فصلوا فيها وأزالوا ما فيها من شعائر اليهود ، ومدوا فيها سماطا وعملوا سماعا ، وبقوا على ذلك أياما ، ثم أعيدت إلى اليهود ، ثم خرج السلطان إلى السواحل فافتتح بعضها وأشرف على عكا وتأملها ثم سار إلى الديار المصرية ، وكان مقدار غرمه في هذه المدة وفي الغزوات قريبا من ثمانمائة ألف دينار ، وأخلفها الله عليه ، وكان وصوله إلى القاهرة يوم الخميس ثالث عشر ذي الحجة . وفي اليوم السابع عشر من وصوله أمسك على جماعة من الامراء منهم الحلبي وغيره بلغه أنهم أرادوا مسكه على الشقيف . وفي اليوم السابع عشر من ذي الحجة أمر بإراقة الخمور من سائر بلاده وتهدد من يعصرها أو يعتصرها بالقتل ، وأسقط ضمان ذلك ، وكان ذلك بالقاهرة وحدها كل يوم ضمانه ألف دينار ، ثم سارت البرد بذلك إلى الآفاق . وفيها قبض السلطان على العزيز بن المغيث صاحب الكرك ، وعلى جماعة من أصحابه كانوا عزموا على سلطنته . وممن توفي فيها من الأعيان : الملك تقي الدين عباس بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي ، وهو آخر من بقي من أولاد العادل ، وقد سمع الحديث من الكندي وابن الحرستاني ، وكان محترما عند الملوك لا يرفع عليه أحد في المجالس والمواكب ، وكان

--> ( 1 ) في اليونيني 2 / 473 وأبو شامة 81 : القليعة . ( 2 ) في الروض الزاهر : ص 384 : تاسع شوال .