ابن كثير

303

البداية والنهاية

لين الأخلاق حسن العشرة ، لا تمل مجالسته . توفي يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة بدرب الريحان ، ودفن بتربته بسفح قاسيون . قاضي القضاة شرف الدين أبو حفص عمر بن عبد الله بن صالح بن عيسى السبكي المالكي ، ولد سنة خمس وثمانين وخمسمائة ، وسمع الحديث وتفقه وأفتى بالصلاحية ، وولي حسبة القاهرة ثم ولي القضاء سنة ثلاث وستين ، لما ولوا من كل مذهب قاضيا ، وقد امتنع أشد الامتناع ثم أجاب بعد إكراه بشرط أن لا يأخذ على القضاء جامكية ، وكان مشهورا بالعلم والدين ، روى عنه القاضي بدر الدين ابن جماعة وغيره توفي لخمس بقين من ذي القعدة . الطواشي شجاع الدين مرشد المظفري الحموي كان شجاعا بطلا من الابطال الشجعان ، وكان له رأي سديد ، كان أستاذه لا يخالفه ، وكذلك الملك الظاهر ، توفي بحماه ودفن بتربته بالقرب من مدرسته بحماه . ابن سبعين : عبد الحق بن إبراهيم بن محمد ابن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن قطب الدين أبو محمد المقدسي الرقوطي ، نسبة إلى رقوطة بلدة قريبة من مرسية ، ولد سنة أربع عشرة وستمائة ، واشتغل بعلم الأوائل والفلسفة ، فتولد له من ذلك نوع من الالحاد ، وصنف فيه ، وكان يعرف السيميا ( 1 ) ، وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الامراء والأغنياء ، ويزعم أنه حال من أحوال القوم ، وله من المصنفات كتاب البدوي , وكتاب الهو ، وقد أقام بمكة واستحوذ على عقل صاحبها ابن سمي ، وجاور في بعض الأوقات بغار حراء يرتجي فيما ينقل عنه أن يأتيه فيه وحي كما أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، بناء على ما يعتقده من العقيدة الفاسدة من أن النبوة مكتسبة ، وأنها فيض يفيض على العقل إذا صفا ، فما حصل له إلا الخزي في الدنيا والآخرة ، إن كان مات على ذلك ، وقد كان إذا رأى الطائفين حول البيت يقول عنهم كأنهم الحمير حول المدار ، وأنهم لو طافوا به كان أفضل من طوافهم بالبيت ، فالله يحكم فيه وفي أمثاله . وقد نقلت عنه عظائم من الأقوال والافعال ، توفي في الثامن والعشرين من شوال بمكة .

--> ( 1 ) لفظ سيمياء عبراني معرب ، أصله سيم يه : ومعناه اسم الله . وعلم السيمياء يطلق على غير الحقيقي من ال كما هو المشهور . وحاصله احداث مثاليات خيالية في الجو لا وجود لها في الحس . وقد يطلق على ايجاد تلك المثالات بصورها في الحس ، ويكون صورا في جوهر الهواء ، ولهذا يسرع زوالها لسرعة تغير جوهر الهواء ، وعدم حفظه ما يقبله زمانا طويلا ، لكنه سريع القبول وسريع الزوال لرطوبته . ( مفتاح السعادة لزاده - 1 / 316 ) .