ابن كثير

293

البداية والنهاية

الطغام ، لكنه كان قد عزم على أخذ أراضي كثيرة من القرى والبساتين التي بأيدي ملاكها بزعم أنه قد كانت التتار استحوذوا عليها ثم استنقذها منهم ، وقد أفتاه بعض الفقهاء من الحنفية تفريعا على أن الكفار إذا أخذوا شيئا من أموال المسلمين ملكوها ، فإذا استرجعت لم ترد إلى أصحابها ، وهذه المسألة مشهورة وللناس فيها قولان ( أصحها ) قول الجمهور أنه يجب ردها إلى أصحابها لحديث العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين استرجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان أخذها المشركون ، استدلوا بهذا وأمثاله على أبي حنيفة ، وقال بعض العلماء إذا أخذ الكفار أموال المسلمين وأسلموا وهي في أيديهم استقرت على أملاكهم ، واستدل على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام " وهل ترك لنا عقيل من رباع " وقد كان استحوذ على أملاك المسلمين الذين هاجروا وأسلم عقيل وهي في يده ، فلم تنتزع من يده ، وأما إذا انتزعت من أيديهم قبل ، فإنها ترد إلى أربابها لحديث العضباء ، والمقصود أن الظاهر عقد مجلسا اجتمع فيه القضاة والفقهاء من سائر المذاهب وتكلموا في ذلك وصمم السلطان على ذلك اعتمادا على ما بيده من الفتاوى ، وخاف الناس من غائلة ذلك فتوسط الصاحب فخر الدين بن الوزير بهاء الدين بن احنا ، وكان قد درس بالشافعي بعد ابن بنت الأعز ، فقال : يا خوند أهل البلد يصالحونك عن ذلك كله بألف ألف درهم ، تقسط كل سنة مائتي ألف درهم ، فأبى إلا أن تكون معجلة بعد أيام ، وخرج متوجها إلى الديار المصرية ، وقد أجاب إلى تقسيطها ، وجاءت البشارة بذلك ، ورسم أن يعجلوا من ذلك أربعمائة ألف درهم ، وأن تعاد إليه الغلات التي كانوا قد احتاطوا عليها في زمن القسم والثمار ، وكانت هذه الفعلة مما شعثت خواطر الناس على السلطان . ولما استقر أمر ابغا على التتار أمر باستمرار وزيره نصير الدين الطوسي ، واستناب على بلاد الروم البرواناه ( 1 ) وارتفع قدره عنده جدا واستقل بتدبير تلك البلاد وعظم شأنه فيها . وفيها كتب صاحب اليمن إلى الظاهر بالخضوع والانتماء إلى جانبه وأن يخطب له ببلاد اليمن ، وأرسل إليه هدايا وتحفا كثيرة ، فأرسل إليه السلطان هدايا وخلعا وسنجقا وتقليدا . وفيها رافع ضياء الدين بن القفاعي للصاحب بهاء الدين بن الحنا عند الظاهر واستظهر عليه ابن الحنا ، فسلمه الظاهر إليه ، فلم يزل يضربه بالمقارع ويستخلص أمواله إلى أن مات ، فيقال إنه ضربه قبل أن يموت سبعة عشر ألف مقرعة وسبعمائة فالله أعلم .

--> ( 1 ) البرواناه : لفظ فارسي معناه في الأصل الحاجب ، وقد أطلق في دولة السلاجقة الروم بآسيا الصغرى على الوزير الأكبر ( التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص 64 ) . ( 2 ) وهو معين الدين سليمان .