ابن كثير

292

البداية والنهاية

منها في رجب ( 1 ) قاصدا حصن الشقيف ، وفي بعض الطريق أخذ من بعض بريدية الفرنج كتابا من أهل عكا إلى أهل الشقيف يعلمونهم قدوم السلطان عليهم ، ويأمرونهم بتحصين البلد ، والمبادرة إلى إصلاح أماكن يخشى على البلد منها . ففهم السلطان كيف يأخذ البلد وعرف من أين تؤكل الكتف ، واستدعى من فوره رجلا من الفرنج فأمره أن يكتب بدله كتابا على ألسنتهم إلى أهل الشقيف ، يحذر الملك من الوزير ، والوزير من الملك ، ويرمي الخلف بين الدولة . فوصل إليهم فأوقع الله الخلف بينهم بحوله وقوته ، وجاء السلطان فحاصرهم ورماهم بالمنجنيق فسلموه الحصن في التاسع والعشرين ( 2 ) من رجب وأجلاهم إلى صور ، وبعث بالأنفال إلى دمشق ، ثم ركب جريدة فيمن نشط من الجيش فشن الغارة على طرابلس وأعمالها ، فنهب وقتل وأرعب وكر راجعا مؤيدا منصورا ، فنزل على حصن الأكراد لمحبته في المرج ، فحمل إليه أهله من الفرنج الإقامات فأبى أن يقبلها وقال : أنتم قتلتم جنديا من جيشي وأريد ديته مائة ألف دينار ، ثم سار فنزل على حمص ، ثم منها إلى حماة ، ثم إلى فامية ثم سار منزلة أخرى ، ثم سار ليلا وتقدم العسكر فلبسوا العدة وساق حتى أحاط بمدينة أنطاكية . فتح أنطاكية على يد السلطان الملك الظاهر وهي مدينة عظيمة كثيرة الخير ، يقال إن دور سورها اثنا عشر ميلا ، وعدد بروجها مائة وستة وثلاثون برجا ، وعدد شرافاتها أربعة وعشرون ألف شرافة ، كان نزوله عليها في مستهل شهر رمضان ، فخرج إليه أهلها يطلبون منه الأمان ، وشرطوا شروطا له عليهم فأبى أن يجيبهم وردهم خائبين وصمم على حصارها ، ففتحها يوم السبت رابع عشر رمضان بحول الله وقوته وتأييده ونصره ، وغنم منها شيئا كثيرا ، وأطلق للأمراء أموالا جزيلة ، ووجد من أسارى المسلمين من الحلبيين فيها خلقا كثيرا ، كل هذا في مقدار أربعة أيام . وقد كان الأغريس صاحبها وصاحب طرابلس ، من أشد الناس أذية للمسلمين ، حين ملك التتار حلب وفر الناس منها ، فانتقم الله سبحانه منه بمن أقامه للاسلام ناصرا وللصليب دامغا كاسرا ، ولله الحمد والمنة ، وجاءت البشارة بذلك مع البريدية ، فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة ، وأرسل أهل بغراس حين سمعوا بقصد السلطان إليهم يطلبون منه أن يبعث إليهم من يتسلمها ، فأرسل إليهم أستاذ داره الأمير آقسنقر الفارقاني في ثالث عشر رمضان فتسلمها ، وتسلموا حصونا كبيرة وقلاعا كثيرة ، وعاد السلطان مؤيدا منصورا ، فدخل دمشق في السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة في أبهة عظيمة وهيبة هائلة ، وقد زينت له البلد ودقت له البشائر فرحا بنصرة الاسلام على الكفرة

--> ( 1 ) في الروض الزاهر ص 295 : في ثاني عشر رجب . ( 2 ) في الروض الزاهر ص 298 : يوم الأحد سلخ رجب .