ابن كثير
291
البداية والنهاية
الحسان والغرائب التي هي كالعقيان . ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، وذكر لنفسه ترجمة في هذه السنة في الذيل ، وذكر مرباه ومنشأه ، وطلبه العلم ، وسماعه الحديث ، وتفقهه على الفخر بن عساكر وابن عبد السلام ، والسيف الآمدي ، والشيخ موفق الدين بن قدامة ، وما رئي له من المنامات الحسنة . وكان ذا فنون كثيرة ، أخبرني علم الدين البرزالي الحافظ عن الشيخ تاج الدين الفزاري ، أنه كان يقول : بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة رتبة الاجتهاد ، وقد كان ينظم أشعارا في أوقات ، فمنها ما هو مستحلى ، ومنها ما لا يستحلى ، فالله يغفر لنا وله . وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في نفسه وديانته ، وعفته وأمانته ، وكانت وفاته بسبب محنة ألبوا عليه ، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان ، وقد كان اتهم برأي ، الظاهر براءته منه ، وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم : إنه كان مظلوما ، ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى رجب من هذه السنة ، فذكر أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان ، وكان الذين قتلوه جاؤوه قبل فضربوه ليموت فلم يمت ، فقيل له : ألا تشتكي عليهم ، فلم يفعل وأنشأ يقول : قلت لمن قال : ألا تشتكي * ما قد جرى فهو عظيم جليل يقيض الله تعالى لنا * من يأخذ الحق ويشفي الغليل إذا توكلنا عليه كفى * فحسبنا الله ونعم الوكيل وكأنهم عادوا إليه مرة ثانية وهو في المنزل المذكور فقتلوه بالكلية في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان رحمه الله . ودفن من يومه بمقابر دار الفراديس ، وباشر بعده مشيخة دار الحديث الأشرفية الشيخ محيي الدين النووي . وفي هذه السنة كان مولد الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي ، وقد ذيل على تاريخ أبي شامة لان مولده في سنة وفاته ، فحذا حذوه وسلك نحوه ، ورتب ترتيبه وهذب تهذيبه . وهذا أيضا ممن ينشد في ترجمته : ما زلت تكتب في التاريخ مجتهدا * حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا ويناسب أن ينشد هنا : إذا سيد منا خلا قام سيد * قؤول لما قال الكرام فعول ثم دخلت سنة ست وستين وستمائة استهلت هذه السنة والحاكم العباسي خليفة ، وسلطان البلاد الملك الظاهر ، وفي أول جمادى الآخرة خرج السلطان من الديار المصرية بالعساكر المنصورة ، فنزل على مدينة يافا بغتة فأخذها عنوة ، وسلم إليه أهلها قلعتها صلحا ، فأجلاهم منها إلى عكا وخرب القلعة والمدينة وسار